بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله ...
مساء الخميس 11\1\1430 هـ تلقى والدي خبر وفاة عمته عائشة "رحمها الله" في بلدة العيينة شمال مدينة الرياض ...
جدتي "عائشة" التي تجاوزت الثمانين عاماً وهي تنعم بصحة جيدة نسبياً والتي كانت تكثر من الدعاء بحسن الختام وأن "يجعل الله ميتتها كالتفاتتها" كناية عن السرعة والسهولة وقد تحقق لها ذلك فأسأل الله أن يرحمها رحمة واسعة...
يسر الله لي رفقتها في السفر عدة مرات كان آخرها قبل ثلاثة أسابيع فقط وقد عرفتها سهلة المعشر لا تحب أن تتعب أحداً...
تأثر كثير ممن يعرفها بخبر وفاتها وتوالت الاتصالات والتعازي هنا في "العشة" "جازان" وهناك في "العيينة" ...
وقفت متأملاً لوفاة امرأة جاوزت الثمانين .. كيف أحدثت من الحِراك في محيطها وبين أهلها الذين أحبوها كما أحبتهم واعتادوا وجودها معهم...
مر أمامي شريط من الذكريات لوفيات عديدة حدثت في قريتي وكيف تكون هذه الوفيات مصدرا لدخول الحزن إلى كثير من البيوت...
فيبقى الموت يظهر في المكان والزمان الغير متوقع ويُحدث من المفاجأة وكأنه يزور لأول مرة...
على شاشات التلفزيون كان شريط آخر من الواقع لا من الذكريات - هذه المرة - لأناس يموتون...
بل يقتلون هناك في غزة...
هل اعتادوا على طعم الموت ورائحته؟؟
في الأيام القلية الماضية سمعت هذا كثيرا من أشخاص عدة ...
غير أني اليوم أحس بأننا كبشر نتذكر موتانا الذين عرفناهم و أحببناهم وجمعتنا بهم ذكريات جميلة ... ونجد في قلوبنا من الألم لفراقهم ما يدوم رغم تطاول الأيام والأعوام...
نجد هذا الألم.. مع إيماننا بقضاء الله وقدره ومع أنهم ماتوا ولم يقتلوا بيد عدوا نراه أمامنا أو بوشاية عميل يسكن جوارنا...
كيف نسمح لأنفسنا بأن نعبر بكل بساطة بقولنا "إنهم اعتادوا على الموت" !!!
هل هناك من يعتاد على الموت؟؟
كيف لمن يقتل قريبه " ابنا أو بنتا , أبا أو أما , أخا أو أختا" فضلا عن الأعمام والعمات .. والأخوال والخالات .. والأقارب والأصدقاء...
كيف لتلك الجروح أن تندمل وكيف لتلك الذاكرة أن تنسى...
لعلنا نقول إنهم شهداء ونسأل الله أن يتقبلهم ...
ولكن .. ليس معنى ذلك أنهم لا بواكي لهم .. فقد حزن رسول الله صلى الله عليه وسلم على من أستشهد من اصحابه وعلى رأسهم حمزة رضي الله عنه...
بل إني قبل اقل من عشرة أيام كنت في زيارة لجدتي "رحمها الله" في العيينة ومررت في الطريق على بلدة الجبيلة ومررت قريبا من مقبرة شهداء "حديقة الموت" ...
وكنت اذكر لزوجتي أن على هذه الأرض دارت أشرس حروب الردة والتي قتل فيها عدد كبير من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم ورضي الله عنهم...
وأنا اليوم أتذكر أن من بين الشهداء زيد بن الخطاب رضي الله عنه...
ومع أنه مات شهيدا "وفيه أسوة لإخواننا في غزة" إلا أن ذلك لم يمنع حزن أخيه عمر رضي الله عنهما...
فقد سأل رضي الله عنه متمم بن نويرة حينما لقيه: ماذا قلت في أخيك مالك – وقد مات في نفس المعركة وهو على الكفر...
فقال:
وكنــــــــــــا كندمي جذيمة مرة
من الدهر حتى قيل لن نتصدعا
فلمــــا تفرقنــــــــا كأني ومالك
لطول اجتماع لم نبت ليلة معــا
فقال عمر رضي الله عنه رحم الله أخي زيداً فقد سبقني للشهادة كما سبقني إلى الإسلام...
ثم قال: "ما هبت الصبا من نجد إلا شممت معها رائحة زيد"
هكذا الحزن على الأحبة ففقد الانسان لمن أحب .. له ألم لا يشابهه ألم ...
ففراق الموت فراق لا لقاء بعده إلا أن يمن الله علينا بأن يجمعنا بمن نحب في مستقر رحمته ودار كرامته...
إخوتي في غزة انا متأكد اليوم أكثر من أي وقت مضى أنكم لم ولن تعتادوا طعم الموت فليس هناك من يعتاده ...
ففراق كل عزيز له ألمه الخاص ..
ولكنكم جعلتم هذا الألم وقوداً يدفعكم للجهاد والاستشهاد إستعجالاًُ للقيا من أحببتم...
أعذرونا... فلا نستطيع فهم اختلاط الدموع بالزغاريد عند استشهاد احبابكم...
أعذرونا فهذه المشاعر جديدة علينا ويصعب علينا فهمها...
أسأل الله أن يرحم جميع موتى المسلمين وأن يعين تلك القلوب الصابرة المجاهدة وأن يثبتهم وينزل على قلوبهم السكينة ... وحسبنا وحسبهم قول الله عز وجل:
"إن تكونوا تألمون فإنهم يألمون كما تألمون وترجون من الله مالا يرجون"
- لمزيد من الخواطر

29 تعليقات ::