بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله،،،
سورة الأنعام من القرآن المكي الذي ظل يتنزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثة عشر عاما كاملة، يحدثه فيها عن قضية واحدة. هي العقيدة والإقرار بالعبودية لله. فلم يشأ الله أن ينزل عليهم النظام والشرائع في مكة ، ليختزنوها جاهزة ، حتى تطبق بمجرد قيام الدولة في المدينة ! إن هذه ليست طبيعة هذا الدين ! إنه أشد واقعية من هذا وأكثر جدية ! إنه لا يفترض المشكلات ليفترض لها حلولا. إنما هو يواجه الواقع بحجمه وشكله وملابساته لصوغه في قالبه الخاص، وفق حجمه وشكله وملابساته.
هذه السورة هي أولى السور المكية التي نتعرض لها هنا في سياق هذه السلسلة وهي نموذج كامل للقرآن المكي ; وهي تمثل طبيعة هذا القرآن وخصائصه ومنهجه ، في موضوعها الأساسي ، وفي منهج التناول، مع احتفاظها "بشخصيتها" الخاصة ; وفق الظاهرة الملحوظة في كل سور القرآن.
لقد روى أبو بكر بن مردويه بإسناده عن أنس بن مالك قال:قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :نزلت سورة الأنعام معها موكب من الملائكة سد ما بين الخافقين ، لهم زجل بالتسبيح ، والأرض بهم ترتج. ورسول الله يقول: سبحان الله العظيم . سبحان الله العظيم.
هذا الموكب، وهذا الارتجاج، واضح ظلهما في السورة ! إنها هي ذاتها موكب. موكب ترتج له النفس، ويرتج له الكون ! إنها زحمة من المواقف والمشاهد والموحيات والإيقاعات ! والموضوع الرئيسي الذي تعالجه متصل ; فلا يمكن تجزئة السورة إلى مقاطع، كل مقطع منها يعالج جانبا من الموضوع.
إنها تطوف بالنفس البشرية في ملكوت السماوات والأرض ، تلحظ فيها الظلمات والنور ، وترقب الشمس والقمر والنجوم . وتسرح في الجنات المعروشات وغير المعروشات ، والمياه الهاطلة عليها والجارية فيها ; وتقف بها على مصارع الأمم الخالية ، وآثارها البائدة والباقية . ثم تسبح بها في ظلمات البر والبحر ، وأسرار الغيب والنفس ، والحي يخرج من الميت والميت يخرج من الحي ، والحبة المستكنة في ظلمات الأرض ، والنطفة المستكنة في ظلمات الرحم . ثم تموج بالجن والإنس، والطير والوحش، والأولين والآخرين، والموتى والأحياء، والحفظة على النفس بالليل والنهار.
هذه السورة تعالج قضية العقيدة الأساسية، قضية الألوهية والعبودية، تعالجها بتعريف العباد برب العباد. من هو ، ما مصدر هذا الوجود ، ماذا وراءه من أسرار ، من هم العباد ، من ذا الذي جاء بهم إلى هذا الوجود ، من أنشاهم ، من يطعمهم ، من يكفلهم ، من يدبر أمرهم ، من يقلب أفئدتهم وأبصارهم ، من يقلب ليلهم ونهارهم ، من يبدئهم ثم يعيدهم ، لأي شيء خلقهم ، ولأي أجل أجلهم ، ولأي مصير يسلمهم. هذه الحياة المنبثقة هنا وهناك، من بثها في هذا الموات. هذا الماء الهاطل . هذا البرعم النابغ. هذا الحب المتراكب. هذا النجم الثاقب. هذا الصبح البازغ. هذا الليل السادل . هذا الفلك الدوار . . هذا كله من وراءه، وماذا وراءه من أسرار، ومن أخبار، هذه الأمم، وهذه القرون، التي تذهب وتجيء، وتهلك وتستخلف، من ذا يستخلفها، ومن ذا يهلكها، لماذا تستخلف، ولماذا يدركها البوار، وماذا بعد الاستخلاف والابتلاء والوفاة من مصير وحساب وجزاء.
هكذا تطوف السورة بالقلب البشري، ولكنها تمضي في هذه كله على منهج القرآن المكي، وعلى منهج القرآن كله. إنها لا تهدف إلى تصوير نظرية في العقيدة ولا إلى جدل لاهوتي يشغل الأذهان والأفكار. إنما تهدف إلى تعريف الناس بربهم الحق ; لتصل من هذا التعريف إلى تعبيد الناس لربهم الحق.
تبدأ السورة بمواجهة المشركين ، الذين يتخذون مع الله آلهة أخرى ، بينما دلائل التوحيد تجبههم وتواجههم وتحيط بهم وتطالعهم في الآفاق وفي أنفسهم. تبدأ بمواجهتهم بحقيقة الألوهية متجلية في لمسات عريضة تشمل الوجود كله ; وتشمل وجودهم كله. تبدأ في لمسات ثلاث ترسم مجالي الوجود الكبيرة على أقصى عمق واتساع:
(الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض ، وجعل الظلمات والنور ، ثم الذين كفروا بربهم يعدلون .هو الذي خلقكم من طين ثم قضى أجلا ، وأجل مسمى عنده ، ثم أنتم تمترون . وهو الله في السماوات وفي الأرض ، يعلم سركم وجهركم ، ويعلم ما تكسبون) ثلاث آيات تذرع الوجود الكوني كله في الآية الأولى ، وتذرع الوجود الإنساني كله في الآية الثانية. ثم تحيط الألوهية بالوجودين كليهما في الآية الثالثة ! فأي إعجاز ، وأية روعة ، وأي شمول ، وأية إحاطة !
وأمام هذا الوجود الكوني الشاهد بوحدة الخالق تبدأ الموجة التالية تعرض موقف المكذبين بآيات الله هذه المبثوثة في الكون والحياة (وما تأتيهم من آية من آيات ربهم إلا كانوا عنها معرضين) (قل:سيروا في الأرض ، ثم انظروا كيف كان عاقبة المكذبين).
ومن هنا تبدأ موجة ثالثة في التعريف بحقيقة الألوهية (لمن ما في السماوات والأرض ، قل:لله) ثم تبدأ موجة رابعة تتحدث عن معرفة أهل الكتاب لهذا الكتاب الجديد الذي يكذب به المشركون (الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم)
ثم تبدأ موجة خامسة ، يلتفت فيها السياق إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يسليه ويسري عنه ما يحزنه من تكذيبهم له ولما جاءهم من عند الله به (قد نعلم إنه ليحزنك الذي يقولون ، فإنهم لا يكذبونك ، ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون . ولقد كذبت رسل من قبلك ، ، ثم إليه يرجعون).
وفي موقف شهادة الفطرة ، واهتدائها الذاتي إلى ربها الحق ، بمجرد تفتحها لاستقبال دلائل الهدى (وإذ قال إبراهيم لأبيه آزر:أتتخذ أصناما آلهة) (إني وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفا ، وما أنا من المشركين) (أولئك لهم الأمن وهم مهتدون).
وفي مشهد الحياة النابضة (إن الله فالق الحب والنوى يخرج الحي من الميت، ومخرج الميت من الحي).
وأخيرا في موقف الابتهال والإنابة إلى الله الواحد بلا شريك (قل إنني هداني ربي إلى صراط مستقيم:دينا قيما ملة إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين . قل:إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين . لا شريك له ، وبذلك أمرت ، وأنا أول المسلمين . قل:أغير الله أبغي ربا ، وهو رب كل شيء).
وفي مشاهد القيامة ومشاهد الاحتضار ترد هذه الوقفات (ولو ترى إذ وقفوا على النار فقالوا:يا ليتنا نرد ولا نكذب بآيات ربنا ونكون من المؤمنين) (ولو ترى إذ وقفوا على ربهم . قال:أليس هذا بالحق ، قالوا:بلى وربنا ! قال :فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون) (ولو ترى إذ الظالمون في غمرات الموت ، والملائكة باسطوا أيديهم.
وفي مواقف التهديد ببطش الله وأخذ المكذبين بسلطانه الذي لا يرد (قل:أرأيتكم إن أتاكم عذاب الله أو أتتكم الساعة ; أغير الله تدعون) (قل:أرأيتم إن أخذ الله سمعكم وأبصاركم وختم على قلوبكم) (قل:أي شيء أكبر شهادة ، قل:الله شهيد بيني وبينكم ، وأوحي إلي هذا القرآن لأنذركم به ومن بلغ . أئنكم لتشهدون أن مع الله آلهة أخرى ، قل:لا أشهد . قل:إنما هو إله واحد ، وإنني بريء مما تشركون).
والواقع أن سياق السورة في تماسكه وفي تدافعه وفي تدفقه يوقع في القلب أن هذه السورة نهر يتدفق , أو سيل يتدفع , بلا حواجز ولا فواصل، فلنقرأها مستشعرين هذه العظمة.
* هذا العرض مقتبس بتصرف من "في ظلال القران"
روابط اخترتها لك:
1 تعليقات ::
ونقرأ في ختام السورة:
(قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ 162 لاَ شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَاْ أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ 163)
فما اجمل الإخبات لله عز وجل
إرسال تعليق