بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله,,,
سورة التوبة مدنية بل من أواخر ما نزل من القرآن، ومن ثم فقد تضمنت أحكاما نهائية في العلاقات بين الأمة المسلمة وسائر الأمم في الأرض. كما تضمنت تصنيف المجتمع المسلم ذاته، وتحديد قيمه ومقاماته، وأوضاع كل طائفة فيه وكل طبقة من طبقاته، ووصف واقع هذا المجتمع بجملته وواقع كل طائفة منه وكل طبقة وصفا دقيقا مصورا مبينا.
السورة بجملتها نزلت في العام التاسع من الهجرة، لكنها لم تنزل دفعة واحدة، و يمكن الترجيح بأنها نزلت في ثلاث مراحل: المرحلة الأولى منها كانت قبل غزوة تبوك ، والمرحلة الثانية كانت في أثناء الاستعداد لهذه الغزوة ثم في ثناياها ، والمرحلة الثالثة كانت بعد العودة منها.
أما مقدمة السورة من أولها إلى نهاية الآية الثامنة والعشرين منها فقد نزلت متأخرة في نهاية السنة التاسعة قبيل موسم الحج. وقد تضمنت هذه الآيات تحديدا للعلاقات النهائية بين المعسكر الإسلامي والمشركين عامة في الجزيرة، مع إبراز الأسباب الواقعية والتاريخية والعقيدية التي يقوم عليها هذا التحديد. (براءة من الله ورسوله إلى الذين عاهدتم من المشركين) (كيف يكون للمشركين عهد عند الله وعند رسوله) (يا أيها الذين آمنوا إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا).
أما المقطع الثاني فقد تضمن تحديدا للعلاقات النهائية كذلك بين المجتمع المسلم وأهل الكتاب عامة ، مع بيان الأسباب التي تحتم هذا التحديد (قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب ، حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون) وظاهر كذلك من الأسلوب القرآني في هذا المقطع أنه مواجهة لما كان في النفوس يوم ذاك من تهيب وتردد في مواجهة أهل الكتاب عامة. وحقيقة إن المقصود - كان - بالمواجهة ابتداء هم الروم وحلفاؤهم من نصارى العرب في الشام وما وراءها.
في المقطع الثالث يبدأ النعي على المتثاقلين الذين دعوا إلى التجهز للغزوة فتثاقلوا (يا أيها الذين آمنوا ما لكم إذا قيل لكم انفروا في سبيل الله اثاقلتم إلى الأرض)، وظاهر من صيغ التأنيب والتهديد والتوكيد المكررة في هذا المقطع ، ومن تذكير الذين آمنوا بنصر الله للرسول عليه الصلاة والسلام إذ أخرجه الذين كفروا، ظاهر من هذا كله ما كان في الموقف من مشقة ، اقتضت هذا الحشد من التأنيب والتهديد والتوكيد والتذكير.
ثم يجيء المقطع الرابع في سياق السورة - وهو أطول مقاطعها ، وهو يستغرق أكثر من نصفها - في فضح المنافقين وأفاعيلهم في المجتمع المسلم ، ووصف أحوالهم النفسية والعملية ، ومواقفهم في غزوة تبوك وقبلها وفي أثنائها وما تلاها ، وكشف حقيقة نواياهم وحيلهم ومعاذيرهم في التخلف عن الجهاد وبث الضعف والفتنة والفرقة في الصف ، وإيذاء الرسول عليه الصلاة والسلام والخلص من المؤمنين ، يصاحب هذا الكشف تحذير الخلصاء من المؤمنين من كيد المنافقين ، وتحديد العلاقات بين هؤلاء وهؤلاء ، والمفاصلة بين الفريقين وتمييز كل منهما بصفاته وأعماله. وهذا القطاع يؤلف في الحقيقة جسم السورة (الفاضحة)، ولن نملك أن نستعرض هنا هذا القطاع بطوله فنكتفي بفقرات منه تدل على طبيعته:
(لو كان عرضا قريبا وسفرا قاصدا لاتبعوك، ولكن بعدت عليهم الشقة) (ولو أرادوا الخروج لأعدوا له عدة ، ولكن كره الله انبعاثهم فثبطهم) (ومنهم من يقول ائذن لي ولا تفتني ، ألا في الفتنة سقطوا) (ويحلفون بالله إنهم لمنكم ، وما هم منكم ، ولكنهم قوم يفرقون) (ومنهم من يلمزك في الصدقات فإن أعطوا منها رضوا ، وإن لم يعطوا منها إذا هم يسخطون) (ومنهم الذين يؤذون النبي ويقولون هو أذن ، قل أذن خير لكم ، يؤمن بالله ويؤمن للمؤمنين).
وهذه الحملة الطويلة الكاشفة تشي بما كان للمنافقين في هذه الفترة من محاولات كثيرة لإيذاء الصف المسلم وفتنته وشغله بشتى الفتن والدسائس والأكاذيب عن وجهته ، كما أنها في الوقت ذاته تكشف عن حالة من الخلخلة وعدم التناسق في التكوين العضوي للمجتمع الإسلامي في هذه الفترة ، يشير إليها قول الله سبحانه (وفيكم سماعون لهم) كما يشير إليها النهي المشدد عن الاستغفار للمنافقين أو الصلاة عليهم. هذه الحالة التي نشأت عن دخول جماعات كثيرة في الإسلام بعد الفتح لم يكن الإيمان قد استقر في قلوبهم.
والمقطع الخامس في سياق السورة هو الذي يتولى هذا التصنيف ، ومنه نعلم أنه كان إلى جوار السابقين المخلصين من المهاجرين والأنصار - وهم الذين كانوا يؤلفون قاعدة المجتمع المسلم الصلبة القوية - جماعات أخرى، كالأعراب وفيهم المخلصون والمنافقون والذين لم تخالط قلوبهم بشاشة الإيمان والمنافقون من أهل المدينة ، وآخرون خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا ولم يتم انطباعهم بالطابع الإسلامي ولم يصهروا في بوتقة الإسلام تماما ، وطائفة مجهولة الحال لا تعرف حقيقة مصيرها متروك أمرها لله، ومتآمرون يتسترون باسم الدين ! والنصوص القرآنية تتحدث عن هذه الجماعات كلها في اختصار مفيد ، وتقرر كيف تعامل في المجتمع المسلم.
(الأعراب أشد كفرا ونفاقا) (ومن الأعراب من يؤمن بالله واليوم الآخر) (والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان) (وممن حولكم من الأعراب منافقون ومن أهل المدينة) (وآخرون اعترفوا بذنوبهم خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا ، عسى الله أن يتوب عليهم) )وآخرون مرجون لأمر الله إما يعذبهم وإما يتوب عليهم) (والذين اتخذوا مسجدا ضرارا وكفرا وتفريقا بين المؤمنين).
والمقطع السادس في سياق السورة يتضمن تقريرا لطبيعة البيعة الإسلامية مع الله على الجهاد في سبيله وطبيعة هذا الجهاد وحدوده ، وواجب أهل المدينة ومن حولهم من الأعراب فيه ، وأنه لا يحل لهم أن يتخلفوا عنه وما كان لهم أن يتخلفوا عن رسول الله ولا يرغبوا بأنفسهم عن نفسه ، وضرورة المفاصلة مع المشركين والمنافقين ، وفي ثنايا هذا المقطع يرد بيان لما قضى الله به في شأن (الثلاثة الذين خلفوا) الذين تخلفوا عن الغزوة مخلصين غير منافقين، و وصف لبعض أحوال المنافقين وموقفهم تجاه ما يتنزل من القرآن الكريم:
(إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة ) (ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ولو كانوا أولي قربى) (لقد تاب الله على النبي والمهاجرين والأنصار الذين اتبعوه في ساعة العسرة) (ما كان لأهل المدينة ومن حولهم من الأعراب أن يتخلفوا عن رسول الله) ( يا أيها الذين آمنوا قاتلوا الذين يلونكم من الكفار وليجدوا فيكم غلظة ) (وإذا ما أنزلت سورة نظر بعضهم إلى بعض هل يراكم من أحد ثم انصرفوا ..)
وفي النهاية تختم السورة بصفة رسول الله صلى الله عليه وسلم وبتوجيهه من ربه إلى التوكل عليه وحده والاكتفاء بكفالته سبحانه (لقد جاءكم رسول من أنفسكم ، عزيز عليه ما عنتم ، حريص عليكم ، بالمؤمنين رؤوف رحيم ، فإن تولوا فقل حسبي الله ، لا إله إلا هو ، عليه توكلت ، وهو رب العرش العظيم).
اللهم طهر قلوبنا من النفاق وأعمالنا من الرياء وألسنتنا من الكذب وأعيننا من الخيانة إنك تعلم خائنات الأعين وما تخفي الصدور...
* هذا العرض مقتبس بتصرف من "في ظلال القران"
روابط اخترتها لك:

3 تعليقات ::