بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله,,,
نعود الآن إلى القرآن المدني بعد سورتي الأنعام والأعراف المكيتين، ونحن نسير وفق ترتيب المصحف لا وفق ترتيب النزول. نزلت سورة الأنفال في غزوة بدر الكبرى في شهر رمضان من العام الثاني للهجرة بعد تسعة عشر شهراً من الهجرة على الأرجح (أنصح بالاطلاع على بعض تفاصيل الغزوة من هنا). فغزوة بدر - بملابساتها وبما ترتب عليها في تاريخ الأمة الإسلامية وفي التاريخ البشري جملة - تقوم معلماً ضخماً في طريق تلك الأمة وفي طريق هذا التاريخ. وقد سمى الله عز وجل يومها (يوم الفرقان يوم التقى الجمعان).
نزلت سورة الأنفال تعرض وقائع الغزوة الظاهرة، وتكشف عن قدر الله وتدبيره في وقائع الغزوة ، وفيما وراءها من خط سير التاريخ البشري كله ، وتحدث عن هذا كله بلغة القرآن الفريدة وبأسلوب القرآن المعجز. وسنكتفي كما اعتدنا في هذه السلسلة باستعراض الخطوط الأساسية في السورة:
إن هنالك حادثاً بعينه في الغزوة يلقي ضوءاً على خط سيرها ، ذلك هو ما رواه ابن إسحاق - عن عبادة ابن الصامت - رضي الله عنه ، قال: "فينا أصحاب بدر نزلت حين اختلفنا في النفل، وساءت فيه أخلاقنا ، فنزعه الله من أيدينا ، فجعله إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقسمه على السواء.
لقد اختلفوا على الغنائم القليلة في الوقعة التي جعلها الله فرقاناً في مجرى التاريخ البشري إلى يوم القيامة ! ولقد أراد الله - سبحانه - أن يعلمهم ، وأن يعلم البشر كلهم من بعدهم أموراً عظاماً: إن هذه الوقعة أكبر كثيراً من أمر الغنائم التي يختلفون عليها. لقد بدأت السورة بتسجيل سؤالهم عن الأنفال وبيان حكم الله فيها وردها إلى الله والرسول ودعوتهم إلى تقوى الله ، وإصلاح ذات بينهم.
ثم جعل يذكرهم بأمرهم وتدبيرهم لأنفسهم وتدبير الله لهم ، ومدى ما يرونه من واقع الأرض ومدى قدرة الله من ورائه ومن ورائهم (كما أخرجك ربك من بيتك بالحق ، وإن فريقاً من المؤمنين لكارهون .... ليحق الحق ويبطل البطل ولو كره المجرمون 8).
ثم ذكرهم بما أمدهم به من العون ، وما يسره لهم من النصر (إذ تستغيثون ربكم فاستجاب لكم) وهكذا يمضي سياق السورة في هذا المجال ، يسجل أن المعركة بجملتها من صنع الله وتدبيره بقيادته وتوجيهه ، فترد أمثال هذه النصوص (فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى ..17 ) (وَاذْكُرُواْ إِذْ أَنتُمْ قَلِيلٌ مُّسْتَضْعَفُونَ فِي الأَرْضِ تَخَافُونَ أَن يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُم بِنَصْرِهِ ..26) (...لِّيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولاً ...42)
كما تتكرر الدعوة في السورة إلى الثبات، وعدم الخروج للحرب بطراً ورئاء الناس، ويؤمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بتحريض المؤمنين عليها وترد أمثال هذه النصوص في بيان هذه المعاني (يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم الذين كفروا زحفاً فلا تولوهم الأدبار) (يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم) (يا أيها الذين آمنوا لا تخونوا الله والرسول وتخونوا أماناتكم وأنتم تعلمون) .
وفي ذات الوقت الذي تتكرر الأوامر بالتثبيت في المعركة يتجه السياق إلى توضيح معالم العقيدة وتعميقها ورد كل أمر وكل حكم وكل توجيه إلى الله. ففي مسألة الأنفال يردون إلى تقوى الله، وفي خطة المعركة يردون إلى قدر الله وتدبيره (...لِّيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولاً...42) و في أحداث المعركة ونتائجها يردون إلى مدده وعونه فيها (فلم تقتلوهم ولكن الله قتلهم ) وفي الأمر بالثبات فيها يردون إلى ما يريده الله لهم بها من حياة ( إذا دعاكم لما يحييكم ).
وفي تحديد الهدف من وراء المعركة يقرر (وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله) (ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض) ( ليحق الحق ويبطل الباطل).
و وفي تنظيم العلاقات في المجتمع المسلم وبينه وبين غيره من المجتمعات الأخرى تبرز العقيدة قاعدة للتجمع وللتميز (إن الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله والذين آووا ونصروا أولئك بعضهم أولياء بعض ...)
ويبرز في سياق السورة بصفة خاصة - إلى جانب خط العقيدة - خط آخر هو خط الجهاد )إذا لقيتم الذين كفروا زحفاً فلا تولوهم الأدبار ...) )وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم) (يا أيها النبي حرض المؤمنين على القتال).
هذا مجمل لخطوط السورة الرئيسية. و إذا كانت السورة بجملتها إنما نزلت في غزوة بدر ، وفي التعقيب عليها ، فإننا ندرك من هذا طرفاً من منهج القرآن في تربية الجماعة المسلمة ، وإعدادها لقيادة البشرية ، وجانباً من نظرة هذا الدين إلى حقيقة ما يجري في الأرض وفي حياة البشر ، مما يقوم منه تصور صحيح لهذه الحقيقة: لقد كانت هذه الغزوة هي أول وقعة كبيرة لقي فيها المسلمون أعداءهم من المشركين ، فهزموهم تلك الهزيمة الكبيرة، ولكن المسلمين لم يكونوا قد خرجوا لهذه الغاية ، لقد كانوا إنما خرجوا ليأخذوا الطريق على قافلة قريش الذين أخرجوا المهاجرين من ديارهم وأموالهم ! فأراد الله للعصبة المسلمة غير ما أرادت لنفسها من الغنيمة ، أراد لها أن تنفلت منها القافلة وأن تلقى عدوها من عتاة قريش الذين جمدوا الدعوة في مكة ، ومكروا مكرهم لقتل رسول الله صلى الله عليه وسلم بعدما بلغوا بأصحابه الذين تابعوه على الهدى غاية التعذيب والتنكيل والأذى.
وتضمنت السورة التوجيهات الموحية إلى هذه المعاني الكبيرة ، وإلى هذه الحقائق الضخمة الخطيرة ، كما تضمنت الكثير من دستور السلم والحرب ، والغنائم والأسرى ، والمعاهدات والمواثيق ، وعوامل النصر وعوامل الهزيمة ، كلها مصوغة في أسلوب التوجيه المربي ، الذي ينشئ التصور ألاعتقادي ، ويجعله هو المحرك الأول والأكبر في النشاط الإنساني. وهذه هي سمة المنهج القرآني في عرض الأحداث وتوجيهها.
ثم إنها تضمنت مشاهد من الموقعة، ومشاهد من حركات النفوس قبل المعركة وفي ثناياها وبعدها. مشاهد حية تعيد إلى المشاعر وقع المعركة وصورها وسماتها، كأن قارئ القرآن يراها فيتجاوب معها تجاوباً عميقاً.
واستطرد السياق أحياناً إلى صور من حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم وحياة أصحابه في مكة ، وهم قلة مستضعفون في الأرض ، يخافون أن يتخطفهم الناس ، ذلك ليذكروا فضل الله عليهم في ساعة النصر ، ويعلموا أنهم إنما سينصرون بنصر الله ، وبهذا الدين الذي آثروه على المال والحياة ، وإلى صور من حياة المشركين قبل هجرة رسول الله صلى الله عليه وسلم وبعدها ، وإلى أمثلة من مصائر الكافرين من قبل كدأب آل فرعون والذين من قبلهم ، لتقرير سنة الله التي لا تتخلف في الانتصار لأوليائه والتدمير على أعدائه.
هذه لمعرفة شيء عن غزوة بدر الكبرى ومن ثم قراءة هذه السورة الكريمة التي نزلت في هذا الشهر الكريم.
* هذا العرض مقتبس بتصرف من "في ظلال القران"
روابط اخترتها لك:
3 تعليقات ::
هذه السورة هي اول ما نزل في التعليق على أول نصر يتحقق للمسلمين ومع ذلك لم تنزل لتتغنى بالنصر وتمجد الجند المنتصرين وإنما هي لمسة ربانية تؤكد على اسباب النصر وتحذر من اسباب الهزيمة وتدعوا الى التواضع بين يدي الله العزيز الجبار فبه ومنه يكون النصر والتمكين...
وقفات :
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَجِيبُواْ لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ 24)
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِن تَتَّقُواْ اللَّهَ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَاناً وَيُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ 29)
(وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ 33)
وكأنك تراهم:
إِذْ أَنتُم بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيَا وَهُم بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوَى وَالرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنكُمْ وَلَوْ تَوَاعَدتُّمْ لاَخْتَلَفْتُمْ فِي الْمِيعَادِ وَلَكِن لِّيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولاً لِّيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَن بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَن بَيِّنَةٍ وَإِنَّ اللَّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ 42)
إرسال تعليق