بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله,,,
نعود مرة أخرى إلى الحياة مع القرآن المكي، بعدما عشنا مع سورتي الأنفال والتوبة من القرآن المدني. و القرآن المكي بجوه الخاص، ومذاقه المعين، الذي يعينه موضوعه الأساسي وهو في اختصار:حقيقة الألوهية، وحقيقة العبودية، وحقيقة العلاقات بينهما.
سورة يونس نزلت بعد سورة الإسراء ، وقد حمي الجدل من المشركين حول صدق الوحي ، وحول هذا القرآن ، وما يواجههم به من تسفيه لعقائدهم ، ومن تنديد بجاهليتهم ، ومن كشف لما في كيانها من تناقض واضح ، تناقض بين ما يعتقدونه من أن الله - سبحانه - هو الخالق الرازق ، المحيي المميت ، المدبر المتصرف في كل شيء ، القادر على كل شيء - وهي الجذور الباقية من حنيفية إبراهيم وإسماعيل - عليهما السلام - وبين ما يدعونه لله سبحانه من الولد ، حيث كانوا يدعون أن الملائكة بنات الله ، ويتخذونهم شفعاء عند الله ، ويعبدون تماثيلهم من الأصنام على هذا الاعتبار! ثم ما ينشأ عن هذا الاضطراب العقيدي من آثار في حياتهم ، وفي أوله ما كان يزاوله الكهان والرؤساء فيهم من تحريم وتحليل في الثمار والأنعام ، وجعل نصيب منها لله ونصيب لآلهتهم المدعاة !
وعندئذ كانوا يواجهون حملة القرآن على عقائدهم المهلهلة وجاهليتهم المتناقضة بأن يكذبوا رسول الله صلى الله عليه وسلم في نبوته والوحي إليه من ربه، ويزعمون أنه ساحر ! وأن يطلبوا منه أن يأتيهم بخارقة تدل على أن الله أوحى إليه، ويفتتنون في طلب هذه الخوارق كما سياتي في سورة الإسراء. كذلك كانوا يطلبون من رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يأتيهم بقرآن غير هذا ، لا يتعرض لآلهتهم وعقائدهم، كي يستجيبوا له ويؤمنوا به ! كما قال الله عنهم في هذه السورة (وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ) وكان الرد على مثل هذا التعسف الساذج (قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِن تِلْقَاء نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَى إِلَيَّ).
والسورة كلها لحمة واحدة ، يصعب تقسيمها إلى مقاطع، شأنها في هذه الخاصية شأن سورة الأنعام التي سبق الحديث عنها مع تميز كل سورة بشخصيتها وطابعها الخاص. وإذا جاز تقسيم السورة إلى مقاطع مميزة ، فإن أكثر من نصفها الأول (و تحديدا إلى الآية 70) يعد مقطعا واحدا يعالج قضية الايمان بالله ، ثم تجيء قصة نوح عليه السلام مختصرة ثم قصة موسى عليه السلام مع إشارة إلى قصة يونس عليه السلام، فتؤلف مقطعا آخر ، ثم تجيء الإشارات الأخيرة بخطاب مباشر للرسول صلى الله عليه وسلم فتؤلف المقطع الأخير الذي يرتبط بالمقطع الأول بشكل ظاهر.
إنها تواجه ابتداء موقف المشركين في مكة من حقيقة الوحي إلى رسول اللّه صلى الله عليه وسلم ومن هذا القرآن ذاته بالتبعية ، فتقرر لهم أن الوحي لا عجب فيه، وأن هذا القرآن ما كان ليفترى من دون الله (الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ 1 أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنْ أَوْحَيْنَا إِلَى رَجُلٍ مِّنْهُمْ أَنْ أَنذِرِ النَّاسَ وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُواْ أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِندَ رَبِّهِمْ قَالَ الْكَافِرُونَ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ مُّبِينٌ 2).
وتواجه طلبهم خارقة مادية - غير القرآن - واستعجالهم بالوعيد الذي يسمعونه ، فتقرر لهم أن آية هذا الدين هي هذا القرآن ، وهو يحمل برهانه في تفرده المعجز الذي تتحداهم به ، وأن الآيات في يد الله ومشيئته ، وأن موعدهم بالجزاء يتعلق بأجل يقدره اللّه ، والنبي لا يملك شيئا فهو عبد من عباد الله ، وفي هذا جانب من التعريف لهم بربهم الحق وحقيقة الألوهية وحقيقة العبودية، (إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الأَمْرَ مَا مِن شَفِيعٍ إِلاَّ مِن بَعْدِ إِذْنِهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ 3) ( وَلِكُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولٌ فَإِذَا جَاءَ رَسُولُهُمْ قُضِيَ بَيْنَهُم بِالْقِسْطِ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ 47 وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ 48 قُل لاَّ أَمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرًّا وَلاَ نَفْعًا إِلاَّ مَا شَاء اللَّهُ لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ إِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَلاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ 49).
وتصور لهم حضور الله - سبحانه - وشهوده لكل ما يهم به البشر ، وكل ما يزاولون من نية وعمل ، مما يملأ الحس البشري بالرهبة والروعة ، كما يملؤه بالحذر واليقظة، وذلك في مثل قوله تعالى في هذه السورة (وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِن قُرْآنٍ وَلاَ تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلاَّ كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ وَمَا يَعْزُبُ عَن رَّبِّكَ مِن مِّثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلاَ فِي السَّمَاء وَلاَ أَصْغَرَ مِن ذَلِكَ وَلا أَكْبَرَ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ 61).
كذلك تملأ نفوسهم بالتوجس والتوقع لبأس الله في كل لحظة ( قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُهُ بَيَاتًا أَوْ نَهَارًا مَّاذَا يَسْتَعْجِلُ مِنْهُ الْمُجْرِمُونَ 50 أَثُمَّ إِذَا مَا وَقَعَ آمَنتُم بِهِ آلآنَ وَقَدْ كُنتُم بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ 51) وتواجه اطمئنانهم للحياة الدنيا ورضاهم بها عن الآخرة ، وتكذيبهم بلقاء الله ، بتحذيرهم من هذه الطمأنينة الخادعة (إِنَّ الَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَاءَنَا وَرَضُواْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّواْ بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ 7).
كما تحتشد السورة بمشاهد هذا الكون وظواهره، الموحية للفطرة البشرية بحقيقة الألوهية، الدالة على التدبير الحكيم، والقصد المرسوم في بناء هذا الكون وتصريفه (إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الأَمْرَ مَا مِن شَفِيعٍ إِلاَّ مِن بَعْدِ إِذْنِهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ 3) (هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاء وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُواْ عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إِلاَّ بِالْحَقِّ يُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ 5) (قُلِ انظُرُواْ مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَن قَوْمٍ لاَّ يُؤْمِنُونَ 101)
وتحتشد بمصارع الغابرين من المكذبين ، آناً في صورة الخبر ، وآناً في صورة قصص بعض الرسل ، وتلتقي كلها عند عرض مشاهد التدمير على المكذبين ، وتهديدهم بمثل هذا المصير الذي لقيه من قبلهم ، فلا تغرنهم الحياة الدنيا ، فإن هي إلا فترة قصيرة للابتلاء ، أو ساعة من نهار يتعارف فيها الناس ، ثم يعودون إلى دار الإقامة في العذاب أو في النعيم ! (وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ مِن قَبْلِكُمْ لَمَّا ظَلَمُواْ وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ وَمَا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ 13 ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلائِفَ فِي الأَرْضِ مِن بَعْدِهِم لِنَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ 14)
(وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِن كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُم مَّقَامِي وَتَذْكِيرِي بِآيَاتِ اللَّهِ ... 71) (ثُمَّ بَعَثْنَا مِن بَعْدِهِم مُّوسَى وَهَارُونَ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ بِآيَاتِنَا فَاسْتَكْبَرُواْ وَكَانُواْ قَوْمًا مُّجْرِمِينَ 75) مع إشارة لقوم يونس ثم يعقب عليها بقوله (فَهَلْ يَنتَظِرُونَ إِلاَّ مِثْلَ أَيَّامِ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِهِمْ قُلْ فَانتَظِرُواْ إِنِّي مَعَكُم مِّنَ الْمُنتَظِرِينَ 102 ثُمَّ نُنَجِّي رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُواْ كَذَلِكَ حَقًّا عَلَيْنَا نُنجِ الْمُؤْمِنِينَ 103).
والترابط في سياق السورة يوحد بين مطلعها وختامها ، فيجيء في المطلع قوله تعالى (الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ 1 أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنْ أَوْحَيْنَا إِلَى رَجُلٍ مِّنْهُمْ أَنْ أَنذِرِ النَّاسَ وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُواْ أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِندَ رَبِّهِمْ قَالَ الْكَافِرُونَ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ مُّبِينٌ 2) ويجيء في الختام (وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَاصْبِرْ حَتَّىَ يَحْكُمَ اللَّهُ وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ 109)
وقد سميت السورة سورة يونس ، بينما قصة يونس فيها لا تتجاوز إشارة سريعة على هذا النحو (فَلَوْلاَ كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلاَّ قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُواْ كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ 98) ولكن قصة يونس - مع هذا - هي المثل الوحيد البارز للقوم الذين يتداركون أنفسهم قبل مباغتة العذاب لهم ، فيثوبون إلى ربهم وفي الوقت سعة ، وهم وحدهم في تاريخ الدعوات الذين آمنوا جملة بعد تكذيب ، فكشف عنهم العذاب الذي أوعدهم به رسولهم قبل وقوعه بهم ، كما هي سنة الله في المكذبين المصرّين.
اللهم ردنا إليك ردا جميلا...
* هذا العرض مقتبس بتصرف من "في ظلال القران"
روابط اخترتها لك:

3 تعليقات ::