الأحد، أغسطس 30، 2009

هود

image

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله,,,

لقد نزلت سورة هود بجملتها بعد يونس، ونزلت يونس بعد الإسراء كما ذكرنا، وهذا يحدد معالم الفترة التي نزلت فيها. إنها من أحرج الفترات وأشقها في تاريخ الدعوة بمكة ، فقد سبقها موت أبي طالب وخديجة رضي الله عنها ، وجرأة المشركين على ما لم يكونوا ليجرؤوا عليه في حياة أبي طالب، وخاصة بعد حادث الإسراء وغرابته ، واستهزاء المشركين به ، وارتداد بعض من كانوا أسلموا قبله.

في هذه الفترة نزلت سورة هود ويونس قبلها، وقبلهما سورة الإسراء وسورة الفرقان وكلها تحمل طابع هذه الفترة ، وتحدث عن مدى تحدي قريش وتعديها، وآثار هذه الفترة و جوها واضحة في جو السورة وبخاصة ما يتعلق بتثبيت رسول الله صلى الله عليه وسلم والذين معه على الحق.

تستعرض السورة لحركة العقيدة الإسلامية في التاريخ البشري كله، من لدن نوح - عليه السلام - إلى عهد محمد - عليه الصلاة والسلام - وتقرير أنها قامت على حقائق أساسية واحدة. فقد جاء محمد عليه الصلاة والسلام ومعه (كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ 1)، أما مضمون هذا الكتاب الأساسي فهو (أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ اللَّهَ إِنَّنِي لَكُم مِّنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ 2 وَأَنِ اسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُم مَّتَاعًا حَسَنًا إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ وَإِن تَوَلَّوْا فَإِنِّيَ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ 3).

لكن هذه لم تكن دعوة مبتدعة ولا قولا غير مسبوق ،لقد قالها من قبل نوح وهود وصالح وشعيب وموسى وغيرهم (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ 25 أَن لاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ اللَّهَ إِنِّيَ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ26) (وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُواْ اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ ... 50) (وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُواْ اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ ... 61) (وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُواْ اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ ...84) ، فكلهم إذن قال هذه الكلمة الواحدة ودعا بهذه الدعوة الثابتة.

كما نجد أيضا عرض مواقف الرسل - صلوات الله وسلامه عليهم - وهم يتلقون الإعراض والتكذيب ، والسخرية والاستهزاء ، والتهديد والإيذاء ، بالصبر والثقة واليقين بما معهم من الحق ، وفي نصر الله الذي لا شك آت ، ثم تصديق العواقب في الدنيا - وفي الآخرة كذلك - لظن الرسل الكرام بوليهم القادر العظيم ، بالتدمير على المكذبين ، وبالنجاة للمؤمنين:

ففي قصة نوح نجد هذا المشهد (فَقَالَ الْمَلأُ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَوْمِهِ مَا نَرَاكَ إِلاَّ بَشَرًا مِّثْلَنَا وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلاَّ الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِن فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ 27)

وفي قصة هود نجد هذا المشهد (قَالُواْ يَا هُودُ مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِي آلِهَتِنَا عَن قَوْلِكَ وَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ 53 إِن نَّقُولُ إِلاَّ اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوءٍ... 54)

وفي قصة صالح نجد هذا المشهد (قَالُواْ يَا صَالِحُ قَدْ كُنتَ فِينَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَذَا أَتَنْهَانَا أَن نَّعْبُدَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا وَإِنَّنَا لَفِي شَكٍّ مِّمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ 62)

وفي قصة شعيب نجد هذا المشهد (قَالُواْ يَا شُعَيْبُ أَصَلاتُكَ تَأْمُرُكَ أَن نَّتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَن نَّفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاء إِنَّكَ لَأَنتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ 87)

كما نجد التعقيب على هذا القصص موجه لرسول الله صلى الله عليه وسلم للتسرية عنه بما أصاب إخوانه الكرام قبله ، وبما أولاهم الله من رعايته ونصره ، وتوجيهه صلى الله عليه وسلم إلى مفاصلة المكذبين من قومه كما فاصل الرسل الكرام أقوامهم على الحق الذي أرسلوا به، بالإضافة للتنويه بدلالة هذا القصص ذاته على صدق دعواه في الوحي و الرسالة.

فبعد نهاية قصة نوح نجد هذا التعقيب (تِلْكَ مِنْ أَنبَاء الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنتَ تَعْلَمُهَا أَنتَ وَلاَ قَوْمُكَ مِن قَبْلِ هَذَا فَاصْبِرْ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ 49). وفي نهاية القصص الوارد في السورة نجد هذا التعقيب الطويل إلى ختام السورة (ذَلِكَ مِنْ أَنبَاء الْقُرَى نَقُصُّهُ عَلَيْكَ مِنْهَا قَائِمٌ وَحَصِيدٌ 100 .... وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ 102).

ومما يحسن الإشارة إليه أن سورة هود بخلاف سورة يونس، نجد القصص فيها هو جسم السورة ، كما يبدو فيها أن استعراض حركة العقيدة الربانية في التاريخ البشري هو الهدف الواضح البارز كما نجد تركيب السورة يحتوي على ثلاثة قطاعات متميزة:

القطاع الأول يتضمن حقائق العقيدة في مقدمة السورة ويشغل حيزا محدودا 1- 24.

والقطاع الثاني يتضمن حركة هذه الحقيقة في التاريخ ويشغل معظم سياق السورة 25-101.

أما القطاع الثالث فيتضمن التعقيب على هذه الحركة في حيز محدود ومن هذا التعقيب قول الله عز وجل (فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَن تَابَ مَعَكَ ...112) ولعلها هي الآية التي جعلت النبي صلى الله عليه وسلم يقول شيبتني هود وأخواتها. إنه الإحساس بثقل التبعة ومشقة الطريق...


نسأل الله أن يرزقنا إتباع طريقهم.

* هذا العرض مقتبس بتصرف من "في ظلال القران"


روابط اخترتها لك:

5 تعليقات ::

  1. دعاء:
    (رب اني اعوذ بك ان اسالك ما ليس لي به علم والا تغفر لي وترحمني اكن من الخاسرين 47)
    ردحذف
  2. قصة نوح عليه السلام مع ابنه قد تكون تسلية عن موت ابي طالب على الكفر
    ردحذف
  3. (قِيلَ يَا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلامٍ مِّنَّا وَبَرَكَاتٍ عَلَيْكَ وَعَلَى أُمَمٍ مِّمَّن مَّعَكَ وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ ثُمَّ يَمَسُّهُم مِّنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ 48)

    و يأتي طرفا من قصة ابراهيم (...رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَّجِيدٌ 73 )كمثال لمن بورك لهم

    وقصة قوم لوط كمثال لمن مسهم عذاب أليم
    ردحذف
  4. مع الأب المكلوم:

    (وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَالْجِبَالِ وَنَادَى نُوحٌ ابْنَهُ وَكَانَ فِي مَعْزِلٍ يَا بُنَيَّ ارْكَب مَّعَنَا وَلاَ تَكُن مَّعَ الْكَافِرِينَ 42 قَالَ سَآوِي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاء قَالَ لاَ عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلاَّ مَن رَّحِمَ وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ 43)

    الى الله المشتكى:

    وَنَادَى نُوحٌ رَّبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ 45)

    وله التسليم والخضوع:

    (قَالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلاَّ تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُن مِّنَ الْخَاسِرِينَ 47)
    ردحذف
  5. الشقاوة من أنفسنا

    (فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُواْ فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ 106)


    والسعادة من الله

    (وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُواْ فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا ..108)


    اللهم اسعدنا
    ردحذف

شارك الآخرين