بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله،،،
سورة ص مكية وآياتها 88، تعالج من موضوعات السور المكية قضية التوحيد، وقضية الوحي إلى محمد صلى الله عليه وسلم وقضية الحساب في الآخرة. وتعرض هذه القضايا الثلاث في مطلعها الذي يؤلف الشوط الأول منها. وهو الآيات الكريمة التي فوق هذا الكلام. وهي تمثل الدهش والاستغراب والمفاجأة التي تلقى بها كبار المشركين في مكة دعوة النبي صلى الله عليه وسلم لهم إلى توحيد الله، وإخبارهم بقصة الوحي واختياره رسولاً من عند الله (وَعَجِبُوا أَن جَاءَهُم مُّنذِرٌ مِّنْهُمْ ...4). كما تمثل استهزاءهم واستنكارهم لما أوعدهم به جزاء تكذيبهم من عذاب (وَقَالُوا رَبَّنَا عَجِّل لَّنَا قِطَّنَا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسَابِ 16).
لقد استكثروا أن يختار الله - سبحانه - رجلاً منهم، لينزل عليه الذكر من بينهم. وأن يكون هذا الرجل هو محمد بن عبد الله. الذي لم تسبق له رياسة فيهم ولا إمارة ! ومن ثم ساءلهم الله في مطلع السورة تعقيباً على استكثارهم هذا واستنكارهم. ليقول لهم: إن رحمة الله لا يمسكها شيء إذا أراد الله أن يفتحها على من يشاء. وإنه ليس للبشر شيء من ملك السماوات والأرض، وإنما يفتح الله من رزقه ورحمته على من يشاء وإنه يختار من عباده من يعلم استحقاقهم للخير، وينعم عليهم بشتى الإنعامات بلا قيد ولا حد، ولا حساب. وفي هذا السياق جاءت قصة داود وقصة سليمان وما أغدق الله عليهما من النبوة والملك، ومن تسخير الجبال والطير، وتسخير الجن والريح، فوق الملك وخزائن الأرض والسلطان والمتاع.
وهما - مع هذا كله - بشر من البشر، يدركهما ضعف البشر وعجز البشر، فتتداركهما رحمة الله ورعايته، وتسد ضعفهما وعجزهما، وتقبل منهما التوبة والإنابة، وتسدد خطاهما في الطريق إلى الله. كما جاء مع القصتين توجيه النبي صلى الله عليه وسلم إلى الصبر على ما يلقاه من المكذبين، والتطلع إلى فضل الله ورعايته كما تمثلهما قصة داود وقصة سليمان عليهما السلام.
كذلك جاءت قصة أيوب تصور ابتلاء الله للمخلصين من عباده بالضراء. وصبر أيوب مثل في الصبر رفيع. وتصور حسن العاقبة، وتداركه برحمة الله، تغمره بفيضها، وتمسح على آلامه بيدها الحانية. وفي عرضها تأسية للرسول صلى الله عليه وسلم وللمؤمنين، عما كانوا يلقونه من الضر والبأساء في مكة وتوجيه إلى ما وراء الابتلاء من رحمة، تفيض من خزائن الله عندما يشاء.
وهذا القصص يستغرق معظم السورة بعد المقدمة، ويؤلف الشوط الثاني منها.
كذلك تتضمن السورة رداً على استعجالهم بالعذاب، فيعرض بها - بعد القصص - مشهد من مشاهد القيامة، يصور النعيم الذي ينتظر المتقين. والجحيم التي تنتظر المكذبين. ويكشف عن استقرار القيم الحقيقية في الآخرة بين هؤلاء وهؤلاء. حين يرى الملأ المتكبرون مصيرهم ومصير الفقراء الضعاف الذين كانوا يهزأون بهم في الأرض، ويستكثرون عليهم أن تنالهم رحمة الله، وهم ليسوا من العظماء ولا الكبراء. وبينما المتقون لهم حسن مآب. أما هم فيتلاعنون في جهنم ويتخاصمون، ويذكرون كيف كانوا يسخرون بالمؤمنين. فإنهم لا يجدونهم في جهنم. وقد عُرف أنهم هنالك في الجنان ! فهذا هو جواب ذلك الاستعجال والاستهزاء. وهذا المشهد يؤلف الشوط الثالث في السورة.
كما يرد على استنكارهم لما يخبرهم به الرسول صلى الله عليه وسلم من أمر الوحي. ويتمثل هذا الرد في قصة آدم في الملأ الأعلى. حيث لم يكن النبي صلى الله عليه وسلم حاضراً ; إنما هو إخبار الله له بما كان، مما لم يشهده - غير آدم - إنسان. وفي ثنايا القصة يتبين أن الذي أردى إبليس، وذهب به إلى الطرد واللعنة، كان هو حسده لآدم - عليه السلام - واستكثاره أن يؤثره الله عليه ويصطفيه. كما أنهم هم يستكثرون على محمد صلى الله عليه وسلم أن يصطفيه الله من بينهم بتنزيل الذكر، ففي موقفهم شبه واضح من موقف إبليس المطرود اللعين.
وتختم السورة بختام هذا الشوط الرابع والأخير فيها بقول النبي صلى الله عليه وسلم لهم: إن ما يدعوهم إليه لا يتكلفه من عنده، ولا يطلب عليه أجراً، وإن له شأناً عظيماً سوف يتجلى (قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ 86 إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ لِّلْعَالَمِينَ 87 وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ 88).
هذه الأشواط الأربعة التي تجري بموضوعات السورة هذا المجرى، تجول بالقلب البشري في مصارع الغابرين، الذين طغوا وتجبروا واستعلوا على الرسل والمؤمنين، ثم انتهوا إلى الهزيمة والدمار والخذلان. فتعرض على القلب البشري هذه الصفحة. صفحة الهزيمة والدمار والهلاك للطغاة المكذبين. ثم تعرض بإزائها صفحة العز والتمكين والرحمة والرعاية لعباد الله المختارين، في قصص داود وسليمان وأيوب.
هذا وذلك في واقع الأرض. ثم تطوف بهذا القلب في يوم القيامة وما وراءه من صور النعيم والرضوان. وصور الجحيم والغضب. حيث يرى لوناً آخر مما يلقاه الفريقان في دار البقاء، بعدما لقياه في دار الفناء.
والجولة الأخيرة في قصة البشرية الأولى وقصة الحسد والغواية من العدو الأول، الذي يقود خطى الضالين عن عمد وعن سابق إصرار وهم غافلون.
كذلك ترد في ثنايا القصص لفتة تلمس القلب البشري وتوقظه إلى الحق الكامن في بناء السماء والأرض. وأنه الحق الذي يريد الله بإرسال الرسل أن يقره بين الناس في الأرض. فهذا من ذلك (وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلاً ...27). وهي لفتة لها في القرآن نظائر. وهي حقيقة أصيلة من حقائق هذه العقيدة التي هي مادة القرآن المكي الأصيلة.
* هذا العرض مقتبس بتصرف من "في ظلال القران"
روابط اخترتها لك:
0 تعليقات ::
إرسال تعليق