الأربعاء، سبتمبر 16، 2009

الطور

image

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله,,,

سورة الطور مكية وآياتها 49، وهي تمثل حملة عميقة التأثير فى القلب البشري. ومطاردة عنيفة للهواجس والشكوك والشبهات والأباطيل التي تساوره وتتدسس إليه وتختبئ هنا وهناك في حناياه. ودحض لكل حجة وكل عذر قد يتخذه للحيدة عن الحق والزيغ عن الإيمان. حملة لا يصمد لها قلب يتلقاها، وهي تلاحقه حتى تلجئه إلى الإذعان والاستسلام !

وهي حملة يشترك فيها اللفظ والعبارة، والمعنى والمدلول، والصور والظلال، وإيقاعات مقاطع السورة وفواصلها على السواء. ومن بدء السورة إلى ختامها تتوالى آياتها كما لو كانت قذائف، وإيقاعاتها كما لو كانت صواعق، وصورها وظلالها كما لو كانت سياطا لاذعة للحس لا تمهله لحظة واحدة من البدء إلى الختام!

وتبدأ السورة بقسم من الله سبحانه بمقدسات في الأرض والسماء. بعضها مكشوف معلوم ! وبعضها مغيب مجهول. القسم على أمر عظيم رهيب، يرج القلب رجا، ويرعب الحس رعبا. في تعبير يناسب لفظه مدلوله الرهيب وفي مشهد كذلك ترجف له القلوب (إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ 7). وفي وسط المشهد المفزع نرى ونسمع ما يزلزل ويرعب، من ويل وهول، وتقريع وتفزيع (فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ 11).

هذا شوط من حملة المطاردة و يليه شوط آخر من لون آخر. شوط في إطماع القلوب التي رأت ذلك الهول المرعب، إطماعها في الأمن والنعيم بعرض صورة المتقين وما أعد لهم من تكريم. وما هيئ لهم من نعيم رخي رغيد، يطول عرضه، وتكثر تفصيلاته، وتتعدد ألوانه. مما يستجيش الحس إلى روح النعيم وبرده ; بعد كرب العذاب وهوله.

والآن وقد أحس القلب البشري سياط العذاب في الشوط الأول ; وتذوق حلاوة النعيم في الشوط الثاني. الآن يجيء الشوط الثالث يطارد الهواجس والوساوس ; ويلاحق الشبهات والأضاليل ; ويدحض الحجج والمعاذير. ويعرض الحقيقة بارزة واضحة بسيطة عنيفة. تتحدث بمنطق نافذ لا يحتمل التأويل، مستقيم لا يحتمل اللف والدوران. يلوي الأعناق ليا ويلجئها إلى الإذعان والتسليم. ويبدأ هذا الشوط بتوجيه الخطاب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ليمضي في تذكيره لهم، على الرغم من سوء أدبهم معه، وليقرعهم بهذا المنطق النافذ القوي المستقيم.

وعقب تلك الأسئلة المتلاحقة. بل القذائف الصاعقة. التي تنسف الباطل نسفا، وتحرج المكابر والمعاند، وتخرس كل لسان يزيغ عن الحق أو يجادل فيه. عقب هذا يصور تعنتهم وعنادهم في صورة الذي يكابر في المحسوس (وَإِن يَرَوْا كِسْفًا مِّنَ السَّمَاءِ سَاقِطًا يَقُولُوا سَحَابٌ مَّرْكُومٌ 44) والفرق بين قطعة السماء تسقط وبين السحاب واضح، ولكنهم هم يتلمسون كل شبهة ليعدلوا عن الحق الواضح.

هنا يلقي عليهم بالقذيفة الأخيرة، قذيفة التهديد الرهيب، بملاقاة ذلك المشهد المرهوب، الذي عرض عليهم في مطلع السورة (فَذَرْهُمْ حَتَّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي فِيهِ يُصْعَقُونَ 45) بل يهددهم بعذاب أقرب من ذلك العذاب (وَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا عَذَابًا دُونَ ذَلِكَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ 47).

ثم تختم السورة بإيقاع رضي رخي. إنه موجه إلى الرسول الكريم الذي يقولون عنه شاعر، ويقولون: كاهن أو مجنون. موجه إليه من ربه يسليه ويعزيه في إعزاز وتكريم. في تعبير لا نظير له في القرآن كله ; ولم يوجه من قبل إلى نبي أو رسول: (وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ 48 وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَإِدْبَارَ النُّجُومِ 49). إنه الإيقاع الذي يمسح على العنت والمشقة اللذين يلقاهما الرسول الكريم، من أولئك المتعنتين المعاندين، الذين اقتضت مواجهتهم تلك الحملة العنيفة من المطاردة والهجوم .

* هذا العرض مقتبس بتصرف من "في ظلال القران"


روابط اخترتها لك:

0 تعليقات ::

إرسال تعليق

شارك الآخرين