الأربعاء، أكتوبر 07، 2009

رحلة إلى الأعماق

image

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله,,,

شعور جميل يغمرك حينما تكتشف نفسك، تبدأ بتأملها، تقترب منها، تحاول الكلام معها، فتتفاجأ بسرعة استجابتها! و ما تلبث أن تدخل معها في حوار ممتع، مفرح، مبكي، مليء باللوم كما هو مليء بالأمل والأمنيات الجميلة...

هذه الرحلة إلى أعماق النفس كانت بعد وقفات مع تفسير سورة القيامة، تلك السورة التي احفظتها واعتدت سماعها منذ الطفولة من أئمة المساجد، ومع ذلك كأني اقرأها لأول مرة. (لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ 1 وَلا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ 2) من البداية وإلى نهاية السورة نجد هذا التزاوج بين النفس والقيامة وكأنما خُلق كل منهما لصاحبه.

هذه النفس التي وردت في القرآن الكريم أمارة بالسوء ولوامة ومطمئنة‏.‏ يرد القسم هنا باللوامة منها، وهذا اللفظ "اللوامة" قد استخرج منه العلماء درر، كل درة أجمل من أختها:

فالحسن البصري رحمه الله يقول: "هي نفس المؤمن تقول ما أردت بكلمتي؟ ما أردت بأكلتي؟ ما أردت بحديث نفسي؟ وأما الفاجر فيمضي قدما ما يعاتب نفسه". فما أحوجنا لهذه النفس التي تلوم وتعاتب.

أما شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم رحمهما الله فيذهبان إلى أنها المتلومة على صاحبها أي المتقلبة...

إنها لفتة جميلة فآآآه من هذه النفس المتقلبة، إنها متقلبة حقا، تجمع المتناقضات فتفرح وتحزن وترضى وتغضب وتحب وتكره، لا تستقر على حال ولا يهدأ لها بال. تحلق بك فتعيش بك في الملأ الأعلى تسبيحا ومناجاة، كما تنحدر بك فتعيش في تفاهات التفاهات. تُحسن الظن وتتجاوز عن الخطأ حينا وتقف عند أمور عارضة فتضخمها وتعتبرها نهاية التاريخ في أحيان كثيرة.

فإذا ما علمنا هذا الخلق منها فلنرحم أنفسنا وأنفس من حولنا ولنراعي هذا التقلب فيها، ولا نُحمل المواقف والتصرفات أكثر مما تحتمل. لنُتقن التعامل مع هذه النفوس فنستغل إقبالها ونراعي إدبارها ولنتحين الفرص لإصلاحها.

أما المعنى الذي أفرحني جدا فقد سمعته من الشيخ سلمان العودة حفظه الله وهو يقول "إن في هذه الآية إشارة إلى التطلع و الطموح"، وكيف ذلك يا شيخنا؟ "أليست في الجنة درجات متفاوتة وكذلك هي الدنيا" و زاد فرحي باستشهاده بقصة آخر أهل الجنة دخول لها حين يقول له الله عز وجل "أدخل الجنة فيقول يا رب وجدتها ملأى" كما ورد في الصحيحين، فيقول شيخنا "إن هذا قد يعطينا إشارة إلى طبيعة هذا الرجل حين كان في الدنيا، لعله كان متوانيا عن سلوك دروب الخير متباطئا"، كلما سنحت له فرصة قال هناك كثير من المنافسين وليس لدي قدرة أو ليس عندي واسطة !!!

معنى آخر جديد التقطته من هذه السورة وتحديدا من قول الله عز وجل (بَلْ يُرِيدُ الإِنسَانُ لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ 5) إن هذه الآية تجعل السبب الرئيسي لإنكار "القيامة" هو الرغبة في التحرر من كل قيد قد يقف حائلا بين العاصي وشهوته، فلا يريد أن يكدر أحد مزاجه بالحديث عن الآخرة والحساب.

إن نفس العاصي المتجاوز للحد الظالم لعباد الله المقصر في حق ربه، لا تريد أن يفكر في يوم سيحاسب فيه على هذا التجاوز والتقصير، فهي تعلم تقصيره ومصيره فتجدها تهرب من ذلك بالانكار الذي لن يفيدها شيئا، وشتان بين قوله (...أَيَّانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ 6) قولة المتعالي المنكر وبين قوله (...أَيْنَ الْمَفَرُّ 10) قولة الحقير الذي يبحث عن خلاص ولات حين مندم.

وهنا أيضا استوقفني كلمة "أمامه" فالشهوة هي حدث عابر ننتظره ونتلذذ بانتظار قدومه إذا ما كان أمامنا فإذا ما وقع فقد قيمته ولذته (وهذا يحصل مع اللذة المباحة فكيف بالمحرمة !!) إن الشهوات ليس لها مكان إلى ما كان منها في المستقبل نمني أنفسنا بها:


يحزن المرء على ما فاته من لذاذات كأن لم يقضها

وتراه فرحا مستبشرا بالتي أمضى كأن لم يمضها

إنها عندي كأحلام الكرى لقريب بعضها من بعضها


وتكتمل الصورة مع هذه النفس حين نسمع قول الله عز وجل (بَلِ الإِنسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ 14 وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ 15).

هكذا نقف في مواجهة هذه النفس التي نحن اعلم بها إذا ما صدقنا مع أنفسنا، فقد نستطيع أن نظهر خلاف الحقيقة أمام الناس ولكننا ندرك حقيقتها. فإذا كنت عارف بنفسك فحاسبها ولمها وأستغل نفسك اللوامة وأُرهِف حِسها لتكتشف أخطأك ولنبتعد عن أخطاء الآخرين. ولنتذكر أن الأعذار إن أنجتنا في الدنيا فلاقيمة لها يوم القيامة.

إنها رحلة مع النفس البشرية، رِحلة إلى أعماقها، نطالع فيها أسرارها، ونستشعر الحاجة الماسة لتزكية أنفسنا لنُفلح، والطريق واضح وهو بإلزامها بطاعة الله تعالى، ومنعها من معصيته.

أسأل الله ان ييسر لنا تزكية أنفسنا وأن يعيننا على تربيتها وتهذيبها.


مواضيع أخترتها لك:

هناك 3 تعليقات:

  1. أخي الحبيب حسن

    بارك الله جهدك المستمر والبحث الدائم للقرب من كلام الله عز وجل ...

    أسأل الله أن يوافق بالخير ظاهرنا وبواطننا

    تحياتي

    ردحذف
  2. السلام عليكم و رحمة الله و بركاته
    أحسنت و أجدت، فأفدت و أسعدت.
    بارك الله فيك أخي أبا المعتصم و زادك من فضله و نعمه.
    أحببت أن اضيف أن مما يدل على عظم شأن هذه النفس أن الله أقسم بها و بمن سوَّاها في سورة الشمس بقوله: (( و نفس و ما سواها)) ثم كان جواب الأحد عشر قسم في نفس السورة قوله تعالى: ((قد أفلح من زكاها و قد خاب من دساها)).
    نسأل الله عز و جل أن يجعلنا ممن تزكى فترقى... آمين
    كما يسرني دعوتكم و أصدقائكم إلى زيارتي على الرابط التالي:
    http://talebms.maktoobblog.com
    في أمان الله.

    ردحذف
  3. سبحان الله يختلف تحليل النفس البشرية في القران عن

    مايقوله علماء النفس الغير مسلمين.لفضياَ.

    لكن فالنهاية ترجع بحوثهم وفلسفتهم لالشيئ سوى

    لأثبات عظمة كلام الله وعجزهم ..

    وبعتقادي اختصرت سورة القيامة

    .جهود الآآآلف الفلاسفة على مر السنين

    في تحليل النفس البشرية

    كل الشكر والتقدير أستاذ /حسن الحازمي

    وجزاك الله كل الخير على ماتقدم

    متابعين لمواضيعك الراقية والرائعة

    أثابك الله وبارك فيك وفي قلمك ...

    الجوسق

    ردحذف

حدث خطأ في هذه الأداة