الأربعاء، مايو 05، 2010

إنها مسئولية فردية …

image


بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله،،،

تعرِضُ لنا سورة الحشر في عدد من آياتها - التي كثيرا ما سمعناها تتردد في مساجدنا - نموذجا عمليا للنجاة وتحقيق الهدف من وجودنا في هذه الحياة. يبدأ هذا النموذج بخطاب من الله عز وجل لعباده المؤمنين (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّـهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ ۖ وَاتَّقُوا اللَّـهَ ۚ إِنَّ اللَّـهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ ١٨﴾.

يقول سيد رحمه الله معلقا على هذه الآية "التقوى هي حالة في القلب يشير إليها اللفظ بظلاله، ولكن العبارة لا تبلغ تصوير حقيقتها فهي حالة تجعل القلب يقظا حساسا شاعرا بالله في كل حالة. خائفا متحرجا مستحييا أن يطلع عليه الله في حالة يكرهها. وعين الله على كل قلب في كل لحظة. فمتى يأمن أن لا يراه؟ ... وهو تعبير كذلك ذو ظلال وإيحاءات أوسع من ألفاظه. ومجرد خُطُورَهُ على القلب يفتح أمامه صفحة أعماله بل صفحة حياته، ويمد ببصره في سطورها كلها يتأملها وينظر رصيد حسابه بمفرداته وتفصيلاته. لينظر ماذا قدم لغده في هذه الصفحة . . وهذا التأمل كفيل بأن يوقظه إلى مواضع ضعف ومواضع نقص ومواضع تقصير، مهما يكن قد أسلف من خير وبذل من جهد. فكيف إذا كان رصيده من الخير قليلا، ونصيبه من البر ضئيلا ؟ إنها لمسة لا ينام بعدها القلب أبدا، ولا يكف عن النظر والتقليب !".

إن هذه الآية تُبرز المسؤولية فردية تجعل كل عبد محاسب عما فعل هو وما قال هو وما كتب هو بعيدا عن الهروب بإلقاء اللوم على الآخرين (وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ) فكما قال ربنا جل وعز في آية أخرى (كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ 38 المدثر) إذا فالخطوة الأولى في النموذج هي تقوى الله من خلال محاسبة النفس وتذكيرها بأنها ستُعرض على خبير بها عالم بخفاياها. إن خطأ الآخرين ليس مبررا للوقوع في الخطأ.

فإذا ما سألنا وكيف نصل إلى تلك "التقوى"؟ كان ذلك من خلال الخطوة الثانية وهي عبادة الله عز وجل و ذكره باللسان والجنان مع استشعار عظمته - كما سيأتي - حتى لا نكون ممن نسي الله عز وجل (وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّـهَ فَأَنسَاهُمْ أَنفُسَهُمْ ۚ أُولَـٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ ١٩﴾ فكثير ممن نسوا الله عز وجل قد انشغلوا بملاهي هذه الدنيا وملهياتها حتى عن أنفسهم وأسرهم وحاجياتهم الأساسية.

وهنا يأتي التركيز على مسألة الهوية وهي الخطوة الثالثة التي يجب أن يستشعرها كل مسلم يريد ما عند الله (لَا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ ۚ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفَائِزُونَ ٢٠﴾ فبما أن مصير أهل الإيمان وأهل الكفر لا يستوي فكذاك يجب أن تكون مناهجهم وطرائقهم بل ونظرتهم لهذه الحياة متباينة بقدر تباين مصائرهم.

ولنعرف هذا التباين علينا بالخطوة الرابعة وهي عرض أنفسنا على كتاب الله العزيز مستشعرين عظمته وقوة تأثيره على القلوب التي أنصتت له واستجابت لما فيه (لَوْ أَنزَلْنَا هَـٰذَا الْقُرْآنَ عَلَىٰ جَبَلٍ لَّرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُّتَصَدِّعًا مِّنْ خَشْيَةِ اللَّـهِ ۚ وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ ٢١﴾.

ولنحذر مما حل باليهود من قسوة القلوب كما في سورة البقرة (ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ 74).

إذا هذا نموذج يقول:

لنسعى لتقوى الله عز وجل من خلال عمحاسبة أنفسنا بشكل فردي بعرضها على القران باحثين فيه عن الهداية والنور ومتأملين لما افترضه الله في عباده المؤمنين لنعمله ونتخلق به ولما عابه على من عصاه لنبتعد عنه متتبعين لأسماء الله وصفاته لنستشعر عظمته ونقبل عليه بقلوب ملئها الخوف والرجاء، فثمة ستكون النجاة بتوفيق الله.


إشراقات سابقة من سورة الحشر:

  • عز في حكمة
  • هم رجال ونحن رجال …
  • هل نكون أسوأ حالا من اليهود؟

  • مواضيع متفرقة أخترتها لك:

    هناك تعليق واحد:

    حدث خطأ في هذه الأداة