الاثنين، سبتمبر 15، 2008

مفهوم جديد !


بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد...


عادت به الذاكرة إلى سنين خلت حين كان في قريته الوادعة "العشة" والتي تقع على ضفاف وادي بيش.


قبل أذان المغرب بدقائق لا تتجاوز العشر تنادي والدته حفظها الله على احد أبنائها وهي تحمل الطبق المعتاد والذي يحتوي على ما لذ وطاب وتطلب إيصاله إلى الجامع الوحيد في القرية.


كالعادة يجلس هناك المؤذن وبعض كبار السن بالإضافة لبعض عابري السبيل.


هكذا تكونت لديه قناعة بأن "الإفطار في المسجد لكبار السن وعابري السبيل ويقوم بتحضيره بعض أصحاب المنازل القريبة من المسجد".



هذه القناعة تغيرت عندما غادر قريته لإكمال دراسته الجامعية، لقد شاهد خيام كبيرة تنصب إلى جوار بعض الجوامع ويكتب عليها مشروع تفطير الصائمين، يقوم على تلك الخيم المحسنون بأموالهم ويسند الأمر في الغالب إلى بعض الشباب مع أن غالب الجهد يقوم عليه عمال مدفوعي الأجر. أما رواد تلك الخيام فهم من العمالة في الغالب.


هكذا تكونت قناعة جديدة "محسنون ينفقون أموالهم لتفطير صائمين محتاجين".



حينما انتقل إلى مكان ابعد للدراسات العليا تغير الأمر منذ اليوم الأول من رمضان لعام 1426هـ .


افطر في ذلك اليوم مع جاره العزيز هشام الصغير ثم ذهبا لأداء صلاة العشاء والتراويح فلاحظا آثار إفطار عدد كبير من الناس في المسجد.


لكنه يعلم أن وضع المسلمين هنا ممتاز جدا من الناحية المادية فكيف يفطرون في المسجد؟


سأل عن رواد ذلك الإفطار فإذا به الجميع !


نعم كل طبقاتهم تاجرهم وطبيبهم وطالبهم، الجميع رجالا ونساء وأطفالا.


إنه "مشروع متكامل من الجميع وللجميع".



من اليوم الثاني لرمضان في ذلك العام والى اليوم والحمد لله اعتاد أن يفطر في المسجد بشكل يومي، ومع أن الإفطار في المسجد كان يتم في أيام الجمعة والسبت والأحد فقط، ولكن تم التعاون من قبل العائلات السعودية المتواجدة في ذلك الوقت لعمل الإفطار بشكل يومي وقد استمرت هذه العادة الجميلة وتطور العمل في الأعوام التالية بشكل اكثر إحترفية والحمد لله.


تعلم الكثير من هذه التجربة وها هو يعيشها في عامها الرابع والحمد لله.


فلأول مره تتاح أبواب للأجر لم تكن متاحة في بلده الذي يعتمد على العمالة بشكل كبير.


أصبح يجيد تقطيع الخضروات بأنواعها وغسل الصحون وترتيب الطاولات بعد تمسيحها.


لقد شاهد كثيرا من حملت الشهادات العليا ومن الأغنياء وهم يكنسون الأرض ويقطعون البصل بل إن أشهر طباخين هما من رجال الأعمال.


تعلم أن القليل من الطعام يكفي للكثير من الناس فأقل من 10 كيلوات من الأرز مع اقل من 20 كيلا من اللحم مع القليل من السلطات والفواكه تكفي لأكثر من 120 شخصا.


هنا تفطير الصائم أشمل بكثير من مجرد دفع 5 أو 10 ريالات فكل جهد له ثمنه بل أن اقل ما يفيد هو المال.


فعندما ذهب لشراء بعض الفواكه والخضار رفض صاحب المحل المسلم اخذ المال ويقول لا يمكنني الحضور بنفسي فسأساهم معكم بهذه الأشياء.


قضى الوقت الطويل مع الجزار ليقنعه بأن يأخذ ولو رأس ماله ولكنه أصر على مساهمته باللحم والدجاج لمشروع التفطير.


اقبل إليه احد إخوته الذين يبذلون من أوقاتهم وجهدهم بشكل يومي وهو يريد المساهمة المالية مع العلم أنه يمر بضائقة مالية فقال له أنت تبذل الكثير من الجهد وهذا يكفي ثم قال له دون شعور "لينفق ذو سعة من سعته"


عاد إلى البيت وهو يفكر في هذه الآية الجامعة المانعة التي تصلح دستورا للعمل التطوعي.



"لينفق ذو سعة من سعته"



هذا بالضبط ما يحصل فكل يقدم حسب استطاعته خصوصا في المشاريع المتداخلة حيث يكون كل شيء مهم، بل هناك العديد من الأشياء الصغيرة التي لا يمكن الاستغناء عنها.


لقد عاش سنين طويلة وهو يرى أن العطاء هو بذل المال أما هنا فقد تعلم أن من لا يملك المال قد يكون لديه الكثير ليقدمه في حياته.


لو انفق كل إنسان من سعته العلمية أو البدنية أو المالية أو من وقته لأنجزت الكثير من الأعمال بطريقة احترافية يقوم عليها أشخاص من الله عليهم بالسعة في هذا المجال...


تقبل الله من الجميع الصيام والقيام وصالح الاعمال.


والحمد لله اولا وأخيرا.

الإثنين 15 رمضان 1429 هـ قولد كوست



روابط إخترتها لك:


  • لمزيد من دروس الغربة من هنا

هناك 14 تعليقًا:

  1. أحسنت كم أشتاق ان أكون معكم يا ابو المعتصم في التفطير بالمسجد في رمضان هذا فوالله ذكريات رمضان السابق معكم مازالت عالقة في الذهن.

    ردحذف
  2. مقال جميل جدا يا شيخنا...واللهم إجعلنا من الذين ينفقون في السراء والضراء.. واللهم تقبل صيامنا آمـــيــــن

    ردحذف
  3. صلاح

    ردحذف
  4. لو انفق كل إنسان من سعته العلمية أو البدنية أو المالية أو من وقته لأنجزت الكثير من الأعمال بطريقة احترافية يقوم عليها أشخاص من الله عليهم بالسعة في هذا المجال
    (( مقال جميل جدا و خاتمة أروع ))

    بارك الله فيك أخي أبو المعتصم و وفقك الله لما يحبه و يرضاه
    أبو فارس (ولونجونج)

    ردحذف
  5. بارك الله فيك أخي الحبيب ووفقك فيما تقدمه من أطروحات أقل ما أقول عنها أنها أكثر من رائعه.
    ولعلي هنا أشارك بهمسة هل هذا المفهوم الذي بدأ في جازان وتعيشه الآن في أستراليا نستطيع تكيفه لمشاريع إفطار صائم في بلادنا التي أعتقد أنها أخذت طابع التمييز الذي نعيشه في كل حياتنا لكونها أقتصرت على فئام من الناس وهم العماله.
    كيف نخرج بفكرة إبداعيه من إبداعاتك أو من أحد المداخلين حتى نرتقي بمشاريع إفطار صائم التي ينفق عليها الكثير هناك ونوظفها في إبراز المفاهيم الجميلة التي تحدثت عنها في خاطرة اليوم.
    لك خاص مودتي
    أبو طلال
    ولونجونج - أستراليا

    ردحذف
  6. وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته
    أهلاً بإطلالة البهية مجدداً أبا المعتصم ..
    ألم أقل لك قبلاً أنك مبدع، بل إن الإبداع قد يغار من كتابتك هنا : )

    خاطرة أعادتني لتلك الأيام الأكثر من رائعة، كيف لا وقد عشناها مع إخواننا واستشعرنا فيها معاني الإخاء والتعاون والتعاضد؟
    يااااااااااه يا أبا المعتصم ...
    لقد نكأت في جرحاً لا يكاد يبرأ، وزدتني شوقاً على شوقي لتلك الأيام، ليس أنا غفط، بل كل أفراد أسرتي، فهناك بيئة خصبة لتحضى بمعاني الأخوة الإسلامية الحقيقة التي فقدناها نسبياً هنا -بكل أسف-
    لعلي أعرج هنا مرةً أخرى لأدون تجربتي هناك مع الإفطار الجماعي في المركز الإسلامي

    تقبلوا أرق تحـاياي،،، أبو عبدالرحمن

    ردحذف
  7. اخي الطالب اهلا وسهلا بك ولقد افتقدت في هذا العام اخوان اعزاء كانوا معنا في العام الماضي


    اخي صلاح اللهم امين شاكرا مرورك المتواصل

    الاخ ابو فارس (طه) الجميل أن يقرأ لي امثالك


    استاذي ابو طلال
    فعلا نحتاج لكسر كثير من القيود التي اخترعناها حتى اصبحنا لا نتخيل الوضع بدونها

    شاكرا تواصلك الدائم


    ابو عبد الرحمن الدكتور حسن (سميي)

    مع اني تبقى لي ما يقارب السنتين هنا لكني ابكي شفقا وخوفا من يوم سيأتي -إن مد الله في العمر- سأفارق فيه هذه الاجواء الجميلة

    فعلا احسسنا معنى الاخوة الاسلامية بل إن جميع افراد اسرتي الصغيرة لا يريدون التغيب عن المسجد والحمد لله...

    ردحذف
  8. غير معرف7‏/9‏/2009 9:09 ص

    مقال رائع أبا المعتصم كعادتك متجدد لقد أستفدت كثيرا من ذكرياتك في الماضي ووظفتها جيدا في صناعة رؤية جميلة

    حسين الحبكري أبو محمد

    ردحذف
  9. مقال جدًا رائع وطرح جدًا شيق وسلس أخي أبوالمعتصم..

    جعلني أتمنى أن أكون معكم ولو ليوم واحد حتى أكف عن غبطك وأنعم بجميل صحبتك ..

    تقبل تحياتي وآسفين على القصور

    ردحذف
  10. أرجعتنا لسنين مضت وذكريات عالقة في الذهن والخاطر ما أجمل تلك اللحظات وما أروع تيك المواقف الإيجابية والذي أجمل منها ما يستفيده المرء من تلك المواقف ويسخرها في تطوير الذات وتنميه المهارات في صقل شخصية يمطح الوصول لها كل مسلم طموح رفع الله قدرك ابا المعتصم ويعلم كم أشتقت لكم جميعا وشهرك مبارك مع التأخر فيه ولكن سعة خاطرك أكبر من أفقي البسيط

    أخوك أبو مازن دغريري

    ردحذف
  11. بسم الله الرحمن الرحيم

    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

    شكرا لك اخي الكريم حسن الحازمي ع موضوعك الرائع وما اعتدنا منك

    الا الرائع والمفيد دائما . .

    دائما الاعمال التطوعية لها مردود شخصي واجتماعي

    من الناحية الشخصية : الحصول على رضوان الله سبحانه وتعالى ، تكفير ذنوب , مساعدة شخص ، تخفيف مصائب الاخرين .

    من الناحية الاجتماعية : تكافل اجتماعي ، فتح عقول ونفس البشر على افاق جديدة باعتبارها

    تجارب حياتية يستفاد منها .

    واخيرا لو نرجع لكل اعمال الخير الي نقدمها والي نشارك ونساعد فيها

    ماهي الا تبطيق للشرعية الاسلامية وحثنا عليها ديننا الحنيف

    تقبلوا مروري

    مع التحية للجميع

    ردحذف
  12. اخى حسن انا اكبر منك بكثير اى رجل كهل.
    رمضان فى مدينتى ابها وفى حى اسمه القابل وموذن المسجد من فوق السطح ومدفع رمضان من اعلى جبل شمسان والتراويح التى هى فرصه لنا صغار ان نلعب حتى الركعه الاخيره فنلحق بها حتى نوهم الجميع باننا صلينا جميع التراويح وليله العيد والثوب الوحيد الجديد طوال العام. اقسم بالله اننى اخبر صغارى انه لا يعترينى حزن الا فى اليوم الاول من دخول رمضان ويوم العيد .
    على الرغم من الخير الوفير والبدل الجديده والهيلمان وكل مايطمح له انسان.

    هلى تمر بك مثل هذه اللحطات. لا الله الا الله محمد رسول الله

    علي

    ردحذف
  13. أخي الكريم حسن

    سلام الله عليكم و أسأل الله لنا و لكم القبول و المغفرة في هذا الشهر الفضيل

    كم أستمتع بكلماتك ممشوقة القوام، حسنة الإحكام، جميلة الوقع على الآذان و قارئي الأقلام، و أسأل ربي ألا يحرمك الأجر و ينفع بك على الدوام

    خوفي أن تعود إلى الوطن فتنشغل بالمنصب و العمل المكثف و زيادة الدخل عن هذه اللمسات الإيمانية و الإسهامات الدعوية

    ألا إنها رصيدك الأكبر، و إذا عرفت فالزم

    دمت لأخيك حبيباً و أخاً كريما

    أحمد

    ردحذف
  14. ماشاء الله أخي أبو المعتصم



    أسأل الله أن يفتح عليك



    دعواتك لأخيك

    نايف جبلي

    ردحذف

حدث خطأ في هذه الأداة