السبت، أكتوبر 11، 2008

إنا نراك من المحسنين


بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله حمد الشاكرين والصلاة والسلام على الأنبياء والمرسلين,,,


جميل هو قصص القران...

يقرب لأفهامنا مراد الله منا ويربينا من خلال مشاهد حية من قصص واقعية بكل ملابساتها. جربت في رمضان المنصرم طريقة جديدة - على الأقل بالنسبة لي- وهي محاولة العيش في تفاصيل القصة خصوصا أن أسلوب القران - بدقة تصويره - يجعل من السهل تجسيد القصة وبث الروح فيها لتتحول إلى واقع معاش بأصواته وحركاته.

عشت مع "أَحْسَنَ الْقَصَصِ" في "ظلال القران" فوجدت العجب العجاب.

قصة نبي الله يوسف ابن يعقوب ابن إسحاق ابن إبراهيم عليهم الصلاة والسلام...

شدني في هذه القصة وضوح و انضباط شخصيات أبطال القصة - إن صحت التسمية - رغم تعدد المشاهد وطول الزمن وسأكتفي بتتبع شخصيتين لضيق الوقت, ولك أخي القارئ أن تعود لسورة يوسف وستجد ذلك واضحا جليا.

أبدأ بيوسف عليه السلام الذي نال إعجاب كل من تعامل معه عن قرب في كل مراحل حياته رغم تقلبها الشديد فمن طفل مدلل إلى عبد مملوك إلى سجين وأخيرا وزير, وهو في كل تلك المراحل مشهود له بحسن الخلق "إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ" , "أَيُّهَا الصِّدِّيقُ" , "مكين أمين" , "ا أَيُّهَا الْعَزِيزُ إِنَّ لَهُ أَبًا شَيْخًا كَبِيرًا فَخُذْ أَحَدَنَا مَكَانَهُ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ" .


كما نجده في كل مراحل حياته متعلق بالله يراقبه ويخشاه كما يتوكل عليه ويلتجئ إليه "قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ" , "وَإِلاَّ تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ" , "ذَلِكَ مِن فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنَا وَعَلَى النَّاسِ" , "يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُّتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ".


وجدت الصفح والعفو مع عفة اللسان صفة بارزة فلم ينتقم من أحد بل لم يُعرِض بأحد ممن أساء إليه.

"مَا بَالُ النِّسْوَةِ الَّلاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ" ولم يذكر امرأة العزيز.

"فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِهَا لهم" وهو في موقف قوة.

"مَعَاذَ اللَّهِ أَن نَّأْخُذَ إِلاَّ مَن وَجَدْنَا مَتَاعَنَا عِندَهُ" ولم يقل من سرق.

"قَالَ لاَ تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ" , "وَأْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ " هكذا دون قيد أو شرط.

"وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ" ولم يذكر خروجه من الجب وهو أعظم حتى لا يذكرهم بإساءتهم.

"مِن بَعْدِ أَن نَّزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي" مع أن الشيطان قد نزغ إخوته ولم ينزغه.


ولا عجب فهو الكريم ابن الكريم ابن الكريم ابن الكريم.

وهذا الخلق والتعلق بالله ما هو إلى زهرة من بستان والده نبي الله يعقوب عليه السلام .


بتتبع بسيط لتلك الشخصية نجدها شخصية الأب المربي.

"قَالَ يَا بُنَيَّ لاَ تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُواْ لَكَ كَيْدًا إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلإِنسَانِ عَدُوٌّ مُّبِينٌ " , "يَا بَنِيَّ لاَ تَدْخُلُواْ مِن بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُواْ مِنْ أَبْوَابٍ مُّتَفَرِّقَةٍ".


وهو الأب الرحيم الشفيق "إِنِّي لَيَحْزُنُنِي أَن تَذْهَبُواْ بِهِ" , "يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ".

وهو مؤمن بقضاء الله وقدره متضرعا له مع ثقة وأمل لا ينقطعان.

"قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ"

"فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظًا وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ"

"قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ عَسَى اللَّهُ أَن يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ"

"قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ"

"وَلاَ تَيْأَسُواْ مِن رَّوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لاَ يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللَّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ"

"قَالَ أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ"

وأخيرا دعونا نقف للحظات مع هذه الخاتمة وهذه المناجاة بإخبات لله تعالى:


"رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِن تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ أَنتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ"

اللهم آمين...



روابط إخترتها لك:



‏هناك 12 تعليقًا:

  1. اللهم آمين

    جزاك الله خير

    تحياتي

    شوقي

    ردحذف
  2. Masha'Allah Akhi, thought-provoking, very inspiring and a sign of deep understanding and excellent pondering. May Allah SWT grant you more and elevate your rank with Him, Ameen.
    wasslam
    Ahmad

    ردحذف
  3. رزق الله يوسف عليه السلام خلقة و خلقاً حسناً ، و تجتمع الكرامات و المحاسن إلا لمن اجتباه الله ، جزاك الله خيراً يابوالمعتصم ،، تقدم دائماً رؤية مختلفة و بعد آخر يغفل عنه الآخرون.

    ردحذف
  4. مروركم اخوتي الكرام يشجع على الإستمرار

    ردحذف
  5. جزاك الله خيرا و الله أثرت في ببعض الدروس و كتبها الله فيموازين حسناتك

    ردحذف
  6. بارك الله فيك أخي حسن
    تأملات مربية ...
    شكرا لك حسن على هداياك الجميلة التي لا نطيق ردها الا بالدعاء ..
    زاد اللك من فضله وبلغك مناك وجلك من أهله وخاصته
    أحمد الحازمي - ملبورن

    ردحذف
  7. جزاك الله خير على هذا التفسير الجميل

    وجدت نفسي اقرأ الموضوع كامل وبشغف مما جعلني اتشوق الى قرأه هذه الصوره بتأني ففيها من العبر والحكم الشى الكثير ولقد أجدت يا ابا المعتصم بارك الله فيك وفي علمك ونفع الله بك

    محمد القحطاني

    ردحذف
  8. وجحا يراك من المحسنين

    أحسنت بعزمك حسن المعاني والتعابير
    وأجدت بطرحك وكأنه العبير
    دمت يا أخي على العز والخير
    لك من جحا اجمل أمنية و تقدير

    ردحذف
  9. جزاك الله خير وجعلها في ميزان حسناتك ...

    وجعلنا الله من التابعين لهديه إنه على ذلك لقادر ...

    تحياتي

    ردحذف
  10. غير معرف1‏/9‏/2009 1:01 ص

    تأملات في غاية الروعه


    نوّر الله دربك يا أبو المعتصم


    عبدالرحمن البار

    ردحذف
  11. بسم الله الرحمن الرحيم :
    " وكذلك يجتبيك ربك ويعلمك من تأويل الأحاديث ويتم نعمته عليك وعلى آل يعقوب كما أتمها من قبل على أبويك إبراهيم وإسحق إن ربك عليم حكيم"
    كل شىء خلقه ربنا سبحانه وتعالى بسبب : حكمة وقدر ،
    وكذا الإجتباء وكذا الإصطفاء فسبحان من أعطى كل شىء خلقه ثم هدى، وهى حكمة بالغة أخى فى هذه السورة تعلمنا أنه قد أفلح من أسلم وجهه لله واستسلم لقدرته وجعل إرادة نفسه في إرادة خالقه وعبده بيقين المؤمنين وعباد الله المخلصين "والله غالب على أمره ولكن اكثر الناس لا يعلمون ، سبحان الله تعالى : لو كان يدري إخوة يوسف اى كرامة وأى علم وأى صبر وأى مكانة بإبعادهم له وتخليهم عنه ما فعلوه ولكنه قدره تعالى ،،
    دروس عظيمة لن توفيها أعمار وليست سطور حقها ولن نبلغ نهايتها..الحمدلله،
    بارك الله فيك أخى الكريم وتقبل الله عملك وكتب أجرك ورفع درجتك بما ذكرتنا الطيب والنافع ،
    حياكم الله والحمدلله.

    ردحذف
  12. أشكرك جداً أستاذي ، مواقف جداً جميلة اخترتها لنا وعرضتها باسلوب جد جميل فلك مني جزيل الشكر والعرفان وجزاك الله عنا الف خير

    حازم الحجاب الحازمي ـ جازان

    ردحذف

شارك الآخرين