بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله,,,
عالمنا اليوم تحول إلى مجموعة من الأرقام، فهي اللغة الجديدة، تلك اللغة التي تهتم بالكم والكم فقط... قائمة بالمواقع الأكثر زيارة، وأخرى للمواضيع الأكثر شعبية من خلال عدد الزيارات أو التفاعل والردود (سواء مع أو ضد المهم كم عدد تلك الردود)، وقوائم بالمقاطع الأكثر مشاهدة، كلها أمور رقمية لا تعطي للمضمون أي اهتمام.
نحن في هذه الصفحة الإلكترونية أكثر إدراكا لأثر هذه الأرقام من غيرنا البعيدين عن هذا العالم، فالمواضيع الأكثر تعليقا أو الأكثر مشاهدة هي ما سيواجهنا أولا. هناك أرقام ظاهرة يمكن أن تعطي انطباعا معينا لكل زائر، مثل عدد الزيارات وعدد التعليقات وكذلك التصويت إن وجد، كما أن معظم هذه الصفحات يوجد بها برامج إحصائية دقيقة تعمل دون أن نشعر بها، هذه البرامج تقدم - للقائمين على المواقع - أرقاما دقيقة جدا بمعلومات تحدد درجة الرضا أو الاهتمام بالمحتوى من عدمه.
إن نظرة سريعة لتلك الإحصاءات تعطي مؤشرات قوية ومفيدة لمعرفة الأثر الإيجابي أو السلبي - من الناحية الرقمية - لوجود مادة ما، كما تحدد هذه البرامج كيف وصل القارئ إلى هذه الصفحة و هل هو وصول مباشر بكتابة العنوان أو عن طريق محرك البحث، ما هي الكلمة التي بحث عنها للوصول إلى هنا، أو ربما وصل بإتباع رابط وصله عن طريق بريده الالكتروني أو إحالة من موقع آخر "ما هو هذا الموقع الصديق !"، كما تقدم هذه الإحصاءات زمن بقاء الزائر في الصفحة وهل جذبه المحتوى للذهاب منها لصفحة أخرى في نفس الموقع أم أنه خرج مباشرة، هل عاد هذا الزائر مرة أخرى "فهو متابع للموقع" أم هي زيارة عابرة، من أي دولة بل من أي مدينة جاء هذا الزائر وما نوع متصفحه وما هو نظام التشغيل الذي يستخدمه، كل هذه المعلومات ذات دلاله بطريقة أو بأخرى.
لعله من المعلوم الآن أن كثرة الزيارة لموقع ما تزيد من فرصة ظهور هذا الموقع في ترتيب متقدم في نتائج البحث، ولعل الكثير قد اطلع على أكثر الكلمات العربية استخداما في محركات البحث والتي كانت متركزة بشكل كبير على كلمات متعلقة بأمور لا نتمنى أن تكون هي دائرة اهتمام الشارع العربي، فكثرة البحث عن هذه الكلمات يساعد على ظهورها من خلال خدمة الإكمال الآلي في محركات البحث، مما يعني أن الكثير سيستخدمها من باب الفضول - لوجودها أمامه - ولكنه من حيث لا يشعر يساعد في مزيد من النشر والشيوع لهذه الكلمات وتلك الصفحات.
أما إن تحدثنا عن ثقافة "انشر و لك الأجر" فهذا موقع يريد أن... و موقع يقول... وموقع يطرح استفتاء بخصوص ... وقصص مختلقة وأحاديث ضعيفة... فسنجدها من المضحكات المبكيات، فلو فكر صاحب الموضوع للحظة قبل أن ينقله لعرف انه لا يستحق المشاهدة فضلا عن أن يدعو الآخرين لمشاهدته، كما أن القصص المختلقة والأحاديث الموضوعة ستكون على قائمة البحث لكثرة تداولها حتى يظن من أراد التحقق من صحتها أنها الحق لكثرة ترددها وانتشارها.
إن من يحارب المواقع السيئة أو المسيئة يساهم في نشرها بالمجان من خلال الدعوة لمشاهدتها والبحث عنها في محركات البحث، بل إن كثيرا من المواقع التي تريد كسب زوار إضافيين لرفع قيمة الإعلان مثلاً، نجدها تلجأ إلى وضع استفتاءات تخالف ثوابت اكبر شريحة ممكنة من المجتمع مما يجعلها في أيام قلائل تستحوذ على عدد كبير من الزيارات التي جاءت بغرض محاربتها، فنفعتها من حيث لا تشعر.
أما ثقافة التشجيع والدعم فتكاد تكون غائبة لدى أكثر رواد الشبكة وهي اقل بكثير من ثقافة النقد للأشخاص بل والإساءة لمن نختلف معه في الرأي، بل إن الكثير يتابع المواقع التي يختلف مع توجهاتها لا لينضج فكره أو يطوره وإنما ليرد على كتابها ولو دخل ليفيد ويستفيد لكان خيرا له ولهم، أو لو اكتفى بالمواقع التي يحب ليدعمها. هذه الجرأة في النقد والعزوف عن التشجيع يجعل الكاتب لا يسمع إلا صوت مخالفيه، مع احترامه الكبير للأكثرية الصامتة التي يعرف أنها تتابعه وذلك من كثر المشاهدات، إلا أنه سيشك في جودة ما يقدمه لأن الردود مخالفة له في أكثرها.
ما الذي يهمني - كقارئ - من كل هذا؟
أنت أخي القارئ اللاعب الأهم في هذا الميدان فالكل يسعى لكسب "كليك" منك، فكل هذه الأمور مجتمعة تجعل العالم الرقمي يظهر لك على السطح المواقع الغير مرغوبة لدى شريحة كبيرة من المجتمع (من الناحية النظرية وإن كان هو من نشرها من الناحية العملية) وهي تلك المواقع التي تركز على الإثارة الفكرية أو الغريزية، أما المواقع الجادة فهي تغوص تدريجيا إلى الأعماق.
إن المواقع الجيدة تشتكي من قلة الزيارة وان حصلت فهي قراءة صامته، بل حتى المواقع الجيدة نجد المواضيع التي تتربع على عروشها الرقمية (الكم) ليست المواضيع الأجود بلغة الكيف. إن كنت أدعوا كل كاتب بأن يحافظ على القراء الصامتين فهم كنزه الذي يجب أن يحافظ عليه وهم كثر ويقرؤون بعمق، و لكني في نفس الوقت أدعو القراء الصامتين للخروج عن صمتهم بدعمهم لمواقعهم المفضلة وكتابهم الجيدين، فالتنافس في عالم الإنترنت يمر بطفرة كمية وبدعمهم ستتحول إلى طفرة نوعية، وأما إن تخلوا عن هذا الدور فسيتغلب الكم على الكيف حتما في عالم لا يعرف إلا الأرقام.
هذا الدور الإيجابي المطلوب من رواد هذه الشبكة يكمن في "كليك" التعليق والنشر والبحث عن الكلمات الجيدة والتفاعل مع التصويت إن وجد و و ...، ولا ننسى أن النقد الهادف والبناء سيُرَشِد المادة المطروحة، كما أن البعد عن تتبع ما لا نحب هو الوسيلة الحقيقية لتقليل أثره فنحن من يعطيه قيمته بكل “كليك" نقوم به.
أخي الحبيب وقتك ثمين وضغطة "كليك" واحد منك لها قيمة في عالم رقمي فأنظر أين تضعها، فالتبعة على مستخدمي هذا العالم الرقمي تتزايد يوما بعد يوم، فهناك سيل جارف من المواقع والصفحات التي تفتح كل يوم وفي المقابل تلك التي تغوص في الأعماق أو تموت. إذا كنا لا نستطيع القضاء على المواقع السيئة، فإن ما نستطيعه ونملكه هو انتشال المواقع والمواد المفيدة من الأعماق وجعلها تطفوا على السطح. كما نملك التوقف عن إعطاء قيمة للمواد التي لا نحب.
لنساند الكيف بكم الـ "كليك"، فلغة الأرقام لا تفهم إلا "كليك"
مواضيع إخترتها لك:

15 تعليقات ::