بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله,,,
كنت جالسا مع أحد الأصدقاء، و كان يعرض صورا التقطها من القاهرة، وتحديدا لمسجد عمرو بن العاص رضي الله عنه, تلك التحفة المعمارية الرائعة. صاحبنا ذو حس فني عالي، فقد كان يدقق النظر في الإبداع الفني المتمثل في أدق التفاصيل لأقواس المسجد وأعمدته مرورا بالمنبر والمحراب الذَّين يتجلى فيهما جمال و فن العمارة الإسلامية.
بعد جولة مع الصور في داخل المسجد انتقلنا لصور من فنائه، تظهر في تلك الصور قبة جميلة تحتها مجموعة من صنابير المياه، كما تقف تلك المئذنة شامخة على مر الأزمان يصدح منها النداء الخالد "الله أكبر ... الله أكبر"،
أما السور فيشدك بحسن بناءه وإتقانه الذي لا يشوهه سوى تلك المناظر المطلة عليه، بيوت من الصفيح ومباني قديمة والجيد منها بدون لياسة أو دهان لجدرانه الخارجية، فضلا عن تشويهها بالأطباق اللاقطة مع عرض لألوان الطيف بالملابس المنشورة في شرفات الشقق وعلى أسطح البنايات.
قال لي ممتعضا: إن ترك بيوت الصفيح والمساكن العشوائية المتناثرة هنا وهناك تنم عن قلة وعي للقيمة الحضارية لهذه الآثار، كيف يُسمح بان يُساء إلى هذا المكان التاريخي بهذه الطريقة؟ إنه مثل صورة جميلة لكنها في برواز قبيح !
قلت له رويدك يا أخي... "خلينا نأخدها حبة .. حبة"
في البداية دعنا نتحدث عن من بنى تلك البنايات الخالدة؟
لو تتبعنا تاريخ أي بناء خالد فسنجده نتاج لحضارة ما، و سنجد ذلك البناء أُنجز في فترة ازدهار وتمكين لتلك الحضارة، فترة أحس صناع القرار - على الأقل - أنهم آمنون في أوطانهم معافين في ابدأنهم يملكون أقوات سنين قادمة وليس مجرد يوم أو أسبوع.
إن أولئك الأقوام حين أحسوا بذلك الأمان لما بقي من حياتهم، و لم يعودوا يحملوا له هما، راحوا يبحثون عن إطالة تلك الحياة لتمتد بعد مماتهم، وذلك من خلال المباني المعمرة والقصور المشيدة والتحف المعمارية الخالدة، التي يُبذل فيها الكثير من الأوقات والأموال والتي تحمل أسماءهم وتُخلد أفراحهم وأحيانا أتراحهم.
هذا ما يخبرنا به التاريخ، فالحضارات تبدأ بتوفير الأشياء الضرورية لقيامها، من سلاح وموارد مالية ومواد غذائية، فإذا ما استقر لها الأمر بدأت ترسخ جذورها وتنقش اسمها في ذاكرة التاريخ ليبقى كما يزعمون ما بقي الزمان.
هذا بالنسبة للبناة الأوائل، أما إن أردت أن نتحدث عن أصحاب بيوت الصفيح فالأمر مختلف تماما...
فهؤلاء يا عزيزي لا يفكرون حتى في ما بقي من حياتهم كيف يكون، فهم منشغلون بتمضية هذا اليوم كيفما أتفق دون تفكير في المستقبل المنظور، فالواحد منهم لا يفكر فيما بقي من حياته، فضلا عن أن يدرك أن عليه دورا يجب أن يمارسه ليحافظ على صورة جميلة أو يفكر في المحافظة على قيمة حضارية أو مباني أثرية.
أخي هل تظن انه توفر لأحدهم بيتا جميلا ولكنه رفضه ! هل هناك خيار آخر أمام هذه الطبقة غير بيوت الصفيح !! كيف نقول لمن يخشى أن يموت من البرد، لا تستخدم الخشب للتدفئة حتى لا تكون سببا في التصحر و حتى لا تُخل بالتوازن البيئي!!
سيقول - وهو معذور في ذلك - يا عم "بلا توازن بيئي بلا هباب إحنا لاقين ناكل" ، من حقه أن يقولوا لنا: رفقا بنا يا عباد الله ... نريد أن نعيش أيامنا المعدودة بأي شكل كان "خلينا نعيش"، بل نحن حتى لا نفكر في أن نعيش حياتنا كلها، بل نقول بصوت واحد: "عيشني اليوم وموتني بكرة".
لذا اسمح لي يا صديقي أن أقول: علينا أن نحدث الناس بما يفقهون...
قد يقول قائل ولكن التعرض للمباني ذات القيمة التاريخية والحضارية ليست حصرا على الفقراء بل هناك من الميسورين من يسيء استخدامها والتعامل معها، وأصحاب الغسيل المنشور والأطباق اللاقطة مثال جيد لهؤلاء !
هذا يذكرني بمقولة لصاحب كتاب "العرب، وجهة نظر يابانية" حين قال: "ورأيت كيف يغلب على سلوك الناس عدم الشعور بالمسؤولية تجاه المجتمع وتجاه الوطن" وهذا ما خرج به بعد ملاحظته لنظافة البيوت من الداخل إذا ما قورنت بمنظرها الخارجي والقمامة الملقاة أمام ابوابها، أما الممتلكات العامة فقد لفت نظره تفشي ظاهرة إتلافها والتعامل معها بطريقة عدوانية في كل البلدان العربية التي زارها.
أعتقد أننا بحاجة لأن نعي أن المحافظة على الممتلكات العامة - ومنها الآثار - هي قيمة اجتماعية تُزرع في ضمير المجتمعات خلال سنين طويلة من الوعي الحضاري، أما غالبية المجتمعات المتخلفة في ركب الحضارة فهي تفتقد لهذه القيمة.
نحن بحاجة إلى أن نرسخ لمبدأ المحافظة على هذه الممتلكات بذاتها "حماية الصورة" وعدم الاعتداء عليها بإتلافها أو الكتابة عليها أو ممارسة ألوانا من الاستخدام الخاطئ تجاهها، بعد ذلك لعلنا نستطيع أن نطلب عدم تشويه المناظر المحيطة بها "لنحافظ على البرواز".
إننا نعاني مشكلة في حفظ الصور فكيف لنا أن نحفظ براويزها !! إنه حلم جميل أن نصل بوعينا المجتمعي لدرجة تتعدى مجرد الحفاظ على الممتلكات العامة (ومنها الآثار) لتذهب أبعد من ذلك بإحاطتها بما يتناسب معها بل يتعدى ذلك ليعطي إضافة نوعية لها...
مواضيع إخترتها لك:

11 تعليقات ::