الثلاثاء، يونيو 16، 2009

الصورة و البرواز !!

image

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله,,,

كنت جالسا مع أحد الأصدقاء، و كان يعرض صورا التقطها من القاهرة، وتحديدا لمسجد عمرو بن العاص رضي الله عنه, تلك التحفة المعمارية الرائعة. صاحبنا ذو حس فني عالي، فقد كان يدقق النظر في الإبداع الفني المتمثل في أدق التفاصيل لأقواس المسجد وأعمدته مرورا بالمنبر والمحراب الذَّين يتجلى فيهما جمال و فن العمارة الإسلامية.

Egypt 2008 070 (Medium)

بعد جولة مع الصور في داخل المسجد انتقلنا لصور من فنائه، تظهر في تلك الصور قبة جميلة تحتها مجموعة من صنابير المياه، كما تقف تلك المئذنة شامخة على مر الأزمان يصدح منها النداء الخالد "الله أكبر ... الله أكبر"،

Egypt 2008 065 (Medium)

أما السور فيشدك بحسن بناءه وإتقانه الذي لا يشوهه سوى تلك المناظر المطلة عليه، بيوت من الصفيح ومباني قديمة والجيد منها بدون لياسة أو دهان لجدرانه الخارجية، فضلا عن تشويهها بالأطباق اللاقطة مع عرض لألوان الطيف بالملابس المنشورة في شرفات الشقق وعلى أسطح البنايات.

قال لي ممتعضا: إن ترك بيوت الصفيح والمساكن العشوائية المتناثرة هنا وهناك تنم عن قلة وعي للقيمة الحضارية لهذه الآثار، كيف يُسمح بان يُساء إلى هذا المكان التاريخي بهذه الطريقة؟ إنه مثل صورة جميلة لكنها في برواز قبيح !

Egypt 2008 063 (Medium)

قلت له رويدك يا أخي... "خلينا نأخدها حبة .. حبة"

في البداية دعنا نتحدث عن من بنى تلك البنايات الخالدة؟

لو تتبعنا تاريخ أي بناء خالد فسنجده نتاج لحضارة ما، و سنجد ذلك البناء أُنجز في فترة ازدهار وتمكين لتلك الحضارة، فترة أحس صناع القرار - على الأقل - أنهم آمنون في أوطانهم معافين في ابدأنهم يملكون أقوات سنين قادمة وليس مجرد يوم أو أسبوع.

إن أولئك الأقوام حين أحسوا بذلك الأمان لما بقي من حياتهم، و لم يعودوا يحملوا له هما، راحوا يبحثون عن إطالة تلك الحياة لتمتد بعد مماتهم، وذلك من خلال المباني المعمرة والقصور المشيدة والتحف المعمارية الخالدة، التي يُبذل فيها الكثير من الأوقات والأموال والتي تحمل أسماءهم وتُخلد أفراحهم وأحيانا أتراحهم.

هذا ما يخبرنا به التاريخ، فالحضارات تبدأ بتوفير الأشياء الضرورية لقيامها، من سلاح وموارد مالية ومواد غذائية، فإذا ما استقر لها الأمر بدأت ترسخ جذورها وتنقش اسمها في ذاكرة التاريخ ليبقى كما يزعمون ما بقي الزمان.

هذا بالنسبة للبناة الأوائل، أما إن أردت أن نتحدث عن أصحاب بيوت الصفيح فالأمر مختلف تماما...

فهؤلاء يا عزيزي لا يفكرون حتى في ما بقي من حياتهم كيف يكون، فهم منشغلون بتمضية هذا اليوم كيفما أتفق دون تفكير في المستقبل المنظور، فالواحد منهم لا يفكر فيما بقي من حياته، فضلا عن أن يدرك أن عليه دورا يجب أن يمارسه ليحافظ على صورة جميلة أو يفكر في المحافظة على قيمة حضارية أو مباني أثرية.

أخي هل تظن انه توفر لأحدهم بيتا جميلا ولكنه رفضه ! هل هناك خيار آخر أمام هذه الطبقة غير بيوت الصفيح !! كيف نقول لمن يخشى أن يموت من البرد، لا تستخدم الخشب للتدفئة حتى لا تكون سببا في التصحر و حتى لا تُخل بالتوازن البيئي!!

سيقول - وهو معذور في ذلك - يا عم "بلا توازن بيئي بلا هباب إحنا لاقين ناكل" ، من حقه أن يقولوا لنا: رفقا بنا يا عباد الله ... نريد أن نعيش أيامنا المعدودة بأي شكل كان "خلينا نعيش"، بل نحن حتى لا نفكر في أن نعيش حياتنا كلها، بل نقول بصوت واحد: "عيشني اليوم وموتني بكرة".

لذا اسمح لي يا صديقي أن أقول: علينا أن نحدث الناس بما يفقهون...

قد يقول قائل ولكن التعرض للمباني ذات القيمة التاريخية والحضارية ليست حصرا على الفقراء بل هناك من الميسورين من يسيء استخدامها والتعامل معها، وأصحاب الغسيل المنشور والأطباق اللاقطة مثال جيد لهؤلاء !

هذا يذكرني بمقولة لصاحب كتاب "العرب، وجهة نظر يابانية" حين قال: "ورأيت كيف يغلب على سلوك الناس عدم الشعور بالمسؤولية تجاه المجتمع وتجاه الوطن" وهذا ما خرج به بعد ملاحظته لنظافة البيوت من الداخل إذا ما قورنت بمنظرها الخارجي والقمامة الملقاة أمام ابوابها، أما الممتلكات العامة فقد لفت نظره تفشي ظاهرة إتلافها والتعامل معها بطريقة عدوانية في كل البلدان العربية التي زارها.

أعتقد أننا بحاجة لأن نعي أن المحافظة على الممتلكات العامة - ومنها الآثار - هي قيمة اجتماعية تُزرع في ضمير المجتمعات خلال سنين طويلة من الوعي الحضاري، أما غالبية المجتمعات المتخلفة في ركب الحضارة فهي تفتقد لهذه القيمة.

نحن بحاجة إلى أن نرسخ لمبدأ المحافظة على هذه الممتلكات بذاتها "حماية الصورة" وعدم الاعتداء عليها بإتلافها أو الكتابة عليها أو ممارسة ألوانا من الاستخدام الخاطئ تجاهها، بعد ذلك لعلنا نستطيع أن نطلب عدم تشويه المناظر المحيطة بها "لنحافظ على البرواز".

إننا نعاني مشكلة في حفظ الصور فكيف لنا أن نحفظ براويزها !! إنه حلم جميل أن نصل بوعينا المجتمعي لدرجة تتعدى مجرد الحفاظ على الممتلكات العامة (ومنها الآثار) لتذهب أبعد من ذلك بإحاطتها بما يتناسب معها بل يتعدى ذلك ليعطي إضافة نوعية لها...


مواضيع إخترتها لك:

هناك 11 تعليقًا:

  1. جميل واتفق معك

    لكن

    لا يلام الفقراء على أطارهم السيئ ولكن تلام الحكومه على عدم اهتمامها بالأطار. 

    ردحذف
  2. اتفق معك من كون الفقراء لا ذنب لهم
    ولكن هذا لا يبرئ المسؤلين في البلديات مثلا من تفرطهم في الاثار فلو كان هناك تخطيط اصلا لمنع البناء في تلك المناطق
    ولو افترضنا ان تلك المنازل قديمة قدم الاثر نفسه فلن يعجز المسؤلين من إيجاد بدائل وان كانت مكلفة فدخل مصر من السياحة (ومنها السياحة الدينية...آثار..مساجد) كما هو معلوم كفيل بالتغطية والله أعلم

    هشام الإدريسي

    ردحذف
  3. اولا ارجو ان تسامحني اذا وجد اخطاء املائية في تعليقي فالكيبورد باللغة الانجليزية وشغل شختك بختك


    الحفاظ على البرواز والصورة في صميم مسؤوليات القائمين عليهما، واقصد بالمسؤليات المادية الملومسة مثل البنية التحتية والتخطيط لها كما ذكر احي ابو عبد الله واهم من هذا كله المسؤوليات المعنوية واهمها العدالة الاجتماعية (كما اسماها مؤلف كتاب العرب وجهة نظر يابانية)، فتوفر العدالة الاجتاعية قد بجعل المبادرة في المخافظة على الصورة والاطار تنبع من اصحاب البيوت المحيطة بالاثر او الصورة.

    سؤال ارقني كثير وكنت اتناقش فيه مع احد الزملاء قبل ايام وهو:

    لماذا الاثار الدينية (عندما تكون هي الصورة) يكون الاطار مهمل فيه (في غالب الاحيان)، بينما الاثار الاخرى سواء سياسية او معالم فنية او تماثيل تكون الاطر المحيطة بها متناسقة مع اهمية الصورة، والامثلة كثيرة لا داعي لسردها، اهو غياب الوعي الديني او بدعية الترميز الديني؟


    خاطرة رائعة يا ابو المعتصم

    ردحذف
  4. عبدالمجيد16‏/6‏/2009 5:17 م

    اتفق مع عصام ، الحكومة هي المطالبة بالاهتمام بالإطار ..

    جعلنا الله ممن يهتم بالواقع أكثر من الصورة والبرواز ..

    على الهامش :
    هذي قصيدة مشهورة للأمير عبدالرحمن بن مساعد (البرواز) ، ذكرتها لما قرأت العنوان ، ولا علاقة بينهما.

    تحياتي

    ردحذف
  5. عبدالمجيد16‏/6‏/2009 5:19 م

    نسيت الرابط !!
    http://www.bn-msaad.com/articles-action-show-id-7.htm

    ردحذف
  6. أزال المؤلف هذا التعليق.

    ردحذف
  7. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

    للأسف فلسفة النسف لما سبق والإتيان بالجديد , فلسفة يأكدها التاريخ فتجد أن القائمين في تلك الحقبة الزمنية مهتمين بما قاموا به... الحكومات الجديدة تقوم بتمجيد حاضرهم واغفال ماضيهم ترسيخا لمفهوم النسف الإداري للإنجازات السابقة ...

    فلو ذهبنا الآن الى مصر لوجدنا الإهتمام الكبير بمكان المتحف العام الذي يعرض بطولات مصر في حروب الستينات والسبعينات الميلادية ...

    الشاهد أن كل حكومة تأتي تريد أن تزرع مفهوم جديد للماضي ولاتكترث بما قام به سابقيهم ...احترام الماضي خاصة بما يتعلق بالجوانب الدينية أمر مهم جدا لأننا حاليا نحتاج أن نعيش الإسلام لأنه دين ثري بالرموز التي تذكرنا بماضينا المجيد ولعل فيها رفع للهمم اذا ما اهتم بها اهتمام يهدف خدمة احياء الجانب الروحي فينا؟

    تحياتي

    ردحذف
  8. جميل ياحسن الحازمي مدرستك لقد ابحرت بنا في تاريخ أمتنا وفقك الله

    ردحذف
  9. عصام

    هشام ابو عبدالله

    هشام ابو سارة

    عبدالمجيد عبدالله


    وئام

    د عبيد العبدلي

    اسعدتموني كثيرا بتفاعلكم

    فإهمال الآثار والإساءة اليها يبدو انه قد لامس جروحا غائرة في نفوسكم ...

    القضية حضارية بالدرجة الأولى وليست مجرد قرار سياسي او إداري يُتخذ...

    ما فُقد خلال سنين التخلف الحضاري نحتاج ان نستعيده شيئا فشيئا من خلال زرعه كقيمة مجتمعية يتبناها الكبير قبل الصغير ...

    ولابد لذلك من زمن ...


    دمتم في رعاية الله

    ردحذف
  10. السلام عليكم ، أدعو الله أن يرفع عن أمة الاسلام البلاء كله وخاصة المثلث الأسود وأضلاعه الفقر والجهل والمرض، ولا يمكن لحضارة أن تظهر شامخة إلا إذا قضت على هذا الثالوث المريع وخاصة الفقر والجهل وعلى رأي أحمد شوقي : بالعلم والمال يبنى الناس ملكهمو لا يبنى ملك على جهل وإقلال، فبإذن الله متى تحرر المسلمون من الجهل أولاً والفقر وتلا ذلك بالطبع الأمراض المتفشية فيهم سواء عضوية أو سلوكية وعقائدية قد ترى يا أخي حضارة عظيمة لا تركن للماضي فقط دون إسهام في الحضارة المعاصرة وحينها قد تختفي العشوائيات و السلبيات التي يدمى لها ضمير العرب والمسلمين جميعاً ، والسلام عليكم ولا تنسانا من صالح دعائك أبا المعتصم بالهداية والشفاء أخوك أسامه الشناوي

    ردحذف
  11. م اسامة

    حياك الله

    اطلالتك دائما مميزة

    بالعلم والمال يبنى الناس ملكهم لا يبتنى ملك على جهل وإقلال

    ردحذف

حدث خطأ في هذه الأداة