السبت، أبريل 03، 2010

على نار هادية

image

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله,,,

في نهاية العام الماضي كنت مدعوا لحضور ورشة عمل في المركز الإسلامي بقولد كوست وكان العنوان: "المسلمون في قولد كوست – ما بعد عشر سنوات"، يهدف البرنامج إلى تشخيص التحديات ووضع الخطط العملية للتعامل معها. بدأ التنسيق قبل أكثر من شهرين من الموعد المقترح، بصراحة حضرت ولدي شعور بان اللقاء سيكون شكليا يستمر لساعتين أو ثلاث بنقاشات غير منضبطة، غير أن الوضع كان مختلفا جدا.

لقد كان المكان معدا بشكل مميز مع جدول أعمال ليوم كامل أشبه ما يكون بمؤتمر علمي، وقد كان. قدم المتحدثون مادة علمية رصينة مصحوبة بمعلومات وإحصاءات حديثة، كانت العروض الثلاثة الأولى منها عن الماضي ثم كانت الثلاثة التالية عن تطلعات واحتياجات المستقبل. بعدها كان هناك ورشة عمل مقسمة لست مجموعات، كل مجموعة تدرس وتقدم توصيات للمحور الذي اختير لها مع مراعاة تناسب اهتمامات أعضاء المجموعة مع المحور المعطى لهم. كانت المحاور شاملة لأكثر الأمور حاجة للنقاش واتخاذ التوصيات وهي (البنية التحتية – التعليم والتدريب – التمويل – المسلمون الجدد – المرأة والطفل – احتياجات الطلاب الأجانب).

كما أسلفت الاجتماع كان احترافيا بدرجة كبيرة مع جودة في التخطيط والعرض والتوصيات التي خرج بها بل حتى احتياجات الطلاب الأجانب لم يهملوها ! وقد أكملوا الدائرة باجتماع في الأسبوع الماضي لمتابعة سير الأمور التي تم الاتفاق على القيام بها وتقديم دراسة معمقة لبعض الأمور التي لم تكن واضحة حينها.

أنتقل بك الآن عزيزي القارئ لبرنامج من نوع آخر، هو مهرجان جمع التبرعات لمنكوبي الزلزال الذي حصل في إندونيسيا نهاية العام الماضي. لقد سبق إقامة البرنامج حملة دعائية مميزة وقد كان المكان في مدينة برزبن عاصمة الولاية وهو معد لحضور ستة آلاف شخص مع رسم دخول دولارين فقط. سيجد الزائر العديد من الأجنحة لمؤسسات و مراكز إسلامية أقامت محلات لبيع الأطعمة والملابس بالإضافة لمنطقة كبيرة أشبه ما تكون بمدينة العاب وضعت بطريقة احترافية. هذه الترتيبات تجعل الأسرة التي تحضر تقضي وقت جميل في مهرجان احترافي لبيع الأطعمة والملابس ومدينة ألعاب للأطفال مع برنامج ثقافي مصاحب. اشرف على تنظيم هذا المهرجان المراكز الإسلامية بالولاية بالتعاون مع مؤسسات خيرية استرالية وبلدية المدينة ووسائل الإعلام المحلي مما جعل العائد من هذه البرامج عائدا مميزا خصوصا إذا ما علما أن معظم المهام أنجزت من قبل متطوعين.

هذين الحدثين يبرزان كيف أن البيئة لها أثر باديٍ على تلك المناشط النوعية التي تقوم بها الجالية المسلمة، فبدون مبالغة هي لا تقل في احترافيتها عن أي منشط يقام هنا. لنتذكر هنا أن أبناء الجالية هم مهاجرون من مجتمعات اقل تنظيما في الغالب، اللافت للنظر هنا أن قادة هذه البرامج بل وغالبية المتحمسين لها هم من المسلمين الذين مر على وجودهم زمن طويل في هذه البيئة بل بعضهم ولد هنا أو من المسلمين الجدد، مع عزوف واضح لدى المهاجرين الجدد وخصوصا العرب عن حضور فضلا عن قيادة مثل تلك البرامج.

هذا يعطينا دلالة واضحة على أن وجود هؤلاء المسلمين في بيئة تعتمد التخطيط الاستراتيجي والعمل المؤسسي المنظم قد سهل عليهم اكتساب هذه الثقافة من خلال تجربتهم اليومية في مؤسساتهم التي يعملون بها لتصبح جزء من شخصياتهم بل و يمارسوها واقعا في تشغيل مؤسساتهم الدينية وتنظيم برامجهم الاجتماعية. إن إدارة المراكز الإسلامية مثلا تتم من خلال مجلس منتخب يقدم خدمات مجانية كما يفرض النظام الاسترالي على كل الجهات الخيرية، مع تميز في البذل والعطاء يقف الواحد احتراما لتفانيهم فيه وإتقانهم له.

إن التفكير الإستراتيجي والعمل الجماعي المنظم وما شابهها عبارة عن ثقافة مجتمعية أكثر من كونها أنظمة وطرائق إدارية يتم نقلها من مجتمع لآخر، وما هو مقرر لدي من خلال تخصصي أن النواحي الثقافية تحتاج لبيئة مواتية مع زمن كفيل باكتسابها وهذا ما تحقق بالنسبة لإخواننا المسلمين هنا فقد تشربوا الثقافة "على نار هادية" كما يقال.

سؤالي لنفسي ولكل مبتعث هو: هل سنكتسب هذه الثقافات الإيجابية وننقلها معنا؟

أختم بالتنبيه إلى أنه مع وجودنا في بيئة مواتية إلا أننا بحاجة لمضاعفة الجهد لتقليص الزمن اللازم لاكتساب الثقافة، فالجهد الواعي الموجه يسرع من عملية التغيير، "على نار هادية" ولكنها مركزة.


* رابط المقال كما نُشر في سبق


مواضيع أخترتها لك:

هناك 8 تعليقات:

  1. غير معرف3‏/4‏/2010 7:22 م

    "أنه مع وجودنا في بيئة مواتية إلا أننا بحاجة لمضاعفة الجهد لتقليص الزمن اللازم لاكتساب الثقافة، فالجهد الواعي الموجه يسرع من عملية التغيير"
    سلمت وسلم قلمك أبا المعتصم فهناك من ينتبه ولكن بعد أن يداهمه الوقت ويفوت الأوان.

    أبورند

    ردحذف
  2. ما شاء الله وفقك الله يا اخ حسن وبارك فيك واعننا واياكم وانشاء الله سنصبح افضل ثقافة لكن لابد من وقت

    ردحذف
  3. غير معرف5‏/4‏/2010 2:43 ص

    هذه من اروع واهم مقالاتك .. اتمنى منك نشرها على مستوى واسع

    ردحذف
  4. عبدالكريم5‏/4‏/2010 9:16 م

    بلا شك أن الإسلام حث على الرقي بشتى مناحي الحياة، وأراد لنا أن نكون أكمل أمة، لكن ألا تعتقد أن البيئة رغم أهميتها في تشكيل الذهنية والسلوك إلا أنها ليست العامل الرئيس أو لنقل الوحيد في هذا النجاح أو ذاك الضعف. في اعتقادي أن هناك قدرات وطباع وضعها الله في أولئك القوم وخصهم بها لن نتمكن نحن من إدراكها ولو بعد حين.

    ردحذف
  5. عصام عريسي8‏/4‏/2010 8:02 ص

    يعطيك الف عافية اخي العزيز

    ردحذف
  6. غير معرف8‏/4‏/2010 9:47 ص

    لإسم: ابراهيم الطريري
    العنوان: لامست الداء والدواء
    اخي الرائع حسن...
    سلمت اناملك بل وفكرك الرائع
    نعم ..لقد لامست الداء والدواء واظهرت مكمن الخلل والذي هو ليس بالافراد ايا كانت جنسيتهم او عرقهم المسأله مسألة بيئه وتنظيمات واليات والاهم التخطيط المسبق والواقعي

    دمت رائعا وصائداً لما نريد وما يجدد الامل لنا


    الإسم: عبدالعزيز الشهراني
    العنوان: من زمان عنك يا حسن
    التعليق: أبدعت يا حسن
    كما عهدتك بجوالة جامعة الملك فهد ارجوا لك دوام التوفيق
    وعوداً حميدا ان شاء الله


    الإسم: هاديه
    العنوان: خطاء املائي
    على نار هادية هي تكون علىت نارٍ هادئة للتوضيح فقط



    الإسم: محسن
    العنوان: أحسنت أخي حسن
    كلام جميل جداً واسأل الله العلي القدير لك ولجميع المبتعثين التوفيق والنجاح
    ولي استطراد بسيط على كلامك وهو أنه ومتى أحسسنا بأن العمل التطوعي هوه واجب على كل فرد من المجتمع بعيداً عن النظرة المادية البحتة سيكون هناك انتاجية مثلى على جميع المستويات. وحب للعمل التطوعي

    لك مني كل تحية

    ردحذف
  7. سؤالي لنفسي ولكل مبتعث هو: هل سنكتسب هذه الثقافات الإيجابية وننقلها معنا؟


    في الحقيقه دائما ما اتسأل نفس السؤال ولكن اجد نفسى للاسف تتسأل وتقول “ هل سوف تجد البيئه التي تساعدك في نقل هذه الثقافه “

    عبارات اجدها تواجهني من متبعثين سابقين

    1- “ لا تتحمس كثير راح ترجع وتلاقي البيئه صعبه انك تحرك حجر واحد “
    2- “ ترى راح تتعب تغير في العالم وصبرك كلها كم شهر وتصير زينا “


    عبارات تحمل كثير من الآسى ولن اقول الاحباط

    طبعا حاولت اسقاط مثال يمكن تطبيه في زيارتي الاخيره للسعوديه وهو فن القياده “ بحكم انها ثقافه قانونيه مكتسبه من البيئه الاستراليه ".... واعترف اني واجهت صعوبه لا توصف خصوصا في مدينه جده ولكن الحمد لله بدئت اتعود ووجدت متعه في الالتزام وراحه البال وعدم السرعه واحترام الاخرين والوقوف لخط المشاه “ اللذي ليس لديه اي اعتراف لدى السائقين لدينا “ ....الخ من الانظمه المروريه

    ما زلت فعلا اتسآل ماذا لو عدت الى بيئه العمل التي كنت اعمل فيها هل سوف افرض ما تعلمته هنا ام اني سوف اركب موجه التعنت والبيروقراطيه ؟ لا اعلم ولكن تجربتي المروريه تجعلني متفائل

    طرح جميل كالعاده يا ابا المعتصم اتمنى اثرائه بالنقاش من بقيه الاعضاء

    دمتم بود

    محمد القحطاني

    ردحذف
  8. الإجمال في موضع التفصيل مضلل! فالقول بعدم صلاحية بيئة ما لنقل عادات وسلوكيات طيبة إليها من المواضع التي تحتاج إلى تفصيل، فهناك عادات وسلوكيات يكون تأثير البيئة وتأثير المجتمع فيها أقل من تأثير الدافع الذاتي. إليك بعض الأمثلة في قيادة السيارة: إلتزام ربط حزام الأمان، منع الأطفال من الجلوس في المقاعد الأمامية، استخدام كراسي الأطفال، استخدام الإشارات عند الانعطاف لليمين أو اليسار. وإليك أمثلة أخرى يكون فيها الحافز الداخلي أكثر تأثيرًا: حب القراءة، النوم والاستيقاظ المبكر، عدم تلويث الأماكن العامة بالمخلفات الشخصية ... وهكذا لو اجتهدنا في بحثنا لوجدنا الكثير من الأشياء التي لا تستلزم منا سوى قوةً في التحفيز الذاتي.

    وفقكم الله

    ابو رينا

    ردحذف

حدث خطأ في هذه الأداة