الأحد، يونيو 13، 2010

معقولة ... هذا كله في استراليا !

image بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله,,,

في مؤتمر منظمة آسيا و المحيط الهادئ للتعليم الدولي "APAIE" ، الذي عُقد مؤخرًا في "قولد كوست" بأستراليا، والذي نظمته جامعة "جريفث"، كان المتحدث الرئيسي في حفل الافتتاح هو "بوب هوك" رئيس الوزراء الأسترالي الأسبق (83-1991م)، الذي يعتبر منعش النهضة العلمية التي تعيشها أستراليا الآن. لقد كان - ولا يزال - من أبرز المهتمين بالتعليم عموما والتعليم العالي خصوصا. يقول عن نفسه إن شعاره كان - ولا يزال - "لا بد من التخلُّص من قيود الماضي لصناعة المستقبل".

مما شدني في حديثه الماتع والمثير تحسره بقوله: "إن أستراليا قد تأخرت كثيرًا في اللحاق بالركب العالمي في التعليم؛ فأول طالب تخرَّج بدرجة الدكتوراه من جامعة أسترالية كان عام 1950م"! ولذلك كان أهم أهدافه حين تولى رئاسة الوزراء دعم مسيرة التعليم الأسترالي بكل مراحله. وقد قام - كما قال - بإعداد خطة وطنية لتغيير منظومة التعليم بالكامل متجها إلى العالمية.

في السنوات التي تلت ترؤس هوك للوزراء عام 1983م تغيَّر وضع التعليم الأسترالي بشكل مثير للإعجاب؛ فالتعليم العام يحتل المركز الأول وفق تصنيف الأمم المتحدة لعام 2008 ، أما التعليم العالي الأسترالي فيحتل بدوره موقعًا متميزًا على الخريطة الأكاديمية والبحثية العالمية؛ ما جعله مقصدًا للطلاب من جميع أنحاء العالم. فرغم أن عدد سكان أستراليا يقل عن 23 مليونا، أي أقل من 0.4 % من سكان العالم، إلا أن الطلاب الأجانب في البلد لعام 2009 تجاوز عددهم 200 ألف طالب وطالبة من مختلف البلدان، وهذا العدد يشكّل أكثر من 6 % من عدد الطلاب الأجانب في العالم كله.

بمعنى آخر: تُعتبر أستراليا الأولى في العالم من ناحية قدرتها على استقطاب الطلاب الأجانب مقارنة بعدد سكانها وعدد جامعاتها؛ فنسبة الطلاب الأجانب للطلاب الأستراليين في الجامعات الأسترالية تصل إلى 17%.

هذه القدرة على الاستقطاب لم تأتِ من فراغ؛ فالطلاب في غالبيتهم يأتون ليدرسوا بأموالهم في بلد مستوى المعيشة فيه مرتفع، مع قيود شديدة على الهجرة والحصول على التأشيرة، يسبقها العديد من الإجراءات المرهقة، كما أن الرسوم الدراسية مرتفعة، وساعات العمل المسموح بها للطلاب وفرص العمل محدودة؛ ما يعني أن العامل الاقتصادي لن يكون جاذبا للطلاب للدراسة في أستراليا مقارنة ببلدان أخرى.

إن الجاذب الحقيقي لهؤلاء الطلاب هو تميز الجامعات الأسترالية وجودة مخرجاتها فمع أن عدد الجامعات الأسترالية الحكومية هو 38 جامعة فقط ! إلى أن 22 جامعة منها تدخل ضمن أفضل 500 جامعة حسب تصنيف QS مثلا. بل حتى هذه الجامعات الـ 22 نجد منها 17 جامعة ضمن أفضل 300 جامعة بل و8 ضمن أفضل 100 جامعة في العالم !

هذا من حيث التصنيف العام لمن يحب هذا النوع من التصنيف أما من حيث التخصصات النوعية فمعظم الجامعات الأسترالية بها مراكز متخصص في البحث العلمي تحتل مراتب متقدمة جدا على المستوى الدولي وتستقطب الكثير من الباحثين والأبحاث المتميزة من أرجاء العالم، وعلى سبيل المثال فقط نجد جامعة مثل جامعة جريفث ليست في رأس القائمة ومع ذلك بها 38 مركزا بحثيا تجاوزت الأبحاث المنشورة منها 1300 بحث محكم في عام 2008 فقط، كما ان لديها اتفاقيات تعاون بحثي واكاديمي مع 230 جهة حول العالم !

كيف تحقق لهذه الدولة الفتية في عمرها، المترامية الأطراف في مساحتها التي تزيد عن نصف مساحة العالم العربي بأكمله ! مع قلة في عدد السكان وبعد عن خطوط الملاحة العالمية بل وافتقار إلى كثير من الموارد الطبيعية التي حبانا الله بها، كيف تحقق لها كل هذا؟

من خلال وجودي في مجلس جامعة جريفث رأيت بعيني حجم المُرشِحات التي يمر بها كثير من القرارات والخطط الإستراتيجية فطريقة حصول الجامعات الحكومية على الدعم المالي الحكومي معقد جدا وتراعي الكثير من العوامل بشفافية عالية تضمن توفير مستوى متميز من التعليم العالي في مختلف الولايات والمدن الأسترالية، فهناك مصالح متضاربة يتم ترشيدها من خلال جهات عدة كل فيما يخصه وهذا النظام ملزم لكل الجامعات الحكومية وفق الدستور الأسترالي.

إن الجهات المهنية والنقابية مثلا تضغط على الجامعة للتأكد من جودة المخرجات، فحسب النظام الأسترالي فإن خريج أي مؤسسة تعليمية أسترالية يحق له مزاولة المهنة دون أن يكون من حق النقابات المهنية إلزامه بإعادة تقيم شهادته سواء كان مواطنا أم طالب أجنبي؛ بل نجد نسبة عالية من الطلاب الأجانب يحصلون على عقود عمل بمجرد تخرجهم، ففي عام 2004 مثلا نجد أن 34 % من خريجي الجامعات الأسترالية من الطلاب الأجانب قد بقوا في أستراليا للعمل في القطاع العام والخاص مما يعني أن نظام التعليم سينعكس على سوق العمل وواجب النقابات المهنية المحافظة على المستوى ومراقبة الأداء، وقد ذكرت في مقال سابق أن تجديد عقد رئيس الجامعة يأخذ أداء الخريجين كمؤشر مهم لأداء الجامعة ورئيسها.

صحيح أن العامل الاقتصادي موجود لدى معظم الجامعات في استقطابها للطلاب الأجانب فـ 30 % من دخلها تقريبا يأتي من الطلاب الأجانب بل يعتبر التعليم العالي للأجانب ثالث مصدر للدخل القومي للبلد بـ 15 مليار دولار عام 2009، لكن قيود دائرة الهجرة وبلديات المدن والجهات النقابية ومجالس الجامعات كلها تقف للجامعة بالمرصاد لضمان عدم تحولها إلى سواق لبيع الشهادات فالهدف الكبير هو تخريج مهارات متميزة لسوق العمل الذي يحتاج سنويا ما يزيد بـ 10% عن مجموع خريجي الجامعات الأسترالية.

أما الجهات المشرفة على البحث العلمي ودعمه مع توجيهه واستغلاله في تحديد وجهة و مستقبل المجتمع فتسعى لاستقطاب مزيد من الموارد للبحث العلمي وتوزيع هذه الموارد على الجامعات اعتمادا على أدائها البحثي مما يجعل ما ينفق على البحث العلمي يتجاوز بمراحل ما يتم تحصيله كرسوم دراسية للبرامج البحثية في الماجستير والدكتوراه.

أعتقد أن التجربة الأسترالية في التعليم العام والعالي بل والتدريب المهني هي تجربة رائدة حققت الكثير من المكتسبات المميزة في زمن يسير جدا مع أن الإمكانيات المادية المتاحة أقل مما نمتلكه في مملكتنا الحبيبة.

إن حداثة تجربتهم مقارنة بالدول الغربية يجعلنا نشعر بشيء من الأمل في إمكانية إحداث قفزات نوعية بعد أن أحدثنا القفزة الكمية في عدد مؤسسات التعليم العالي و التدريب الفني إذا ما سلكنا سلوكا مشابها لما سلكوه، ولعل زيارة معالي وزير التعليم العالي الأخيرة وبرفقته وفد رفيع المستوى وما تم في تلك الزيارة من توقيع لعدد من الاتفاقيات على مستويات مختلفة، لعل هذا يساهم في استفادتنا من هذه التجربة.

أكرر هنا كلمة رئيس الوزراء الأسترالي الأسبق بوب هوك: "لابد من التخلص من قيود الماضي لصناعة المستقبل".

وأختم بتمنياتي بأن نستفيد من تجربة هذه الدولة الفتية في عمرها … الرائدة في أدائها.


* رابط المقال كما نُشر في سبق


مواضيع أخترتها لك:

هناك 9 تعليقات:

  1. هناك عرض لتجربة أخي ابراهيم ابو نادي في مؤتمر منظمة آسيا و المحيط الهادئ للتعليم الدولي "APAIE" على هذا الرابط

    http://blog.abunadi.net/2010/04/apaie.html

    ردحذف
  2. يأتي هنا دورنا في توعية مجتمعنا عن التعليم في استراليا،
    استراليا لم تدخل في دائرة الإهتمام العربي إلا في السنوات العشر أو حتى الخمس الأخيرة ـ و قد يكون السبب الأكبر هو وجود الطلاب فكما يقول هوك أن الطلاب الدوليين سبب في إنشاء علاقات بين الدول و هذا بالفعل ماحدث ،

    جزاك الله خير أبو المعتصم

    ردحذف
  3. شكرا جزيلا يا ابا المعتصم

    كفيت ووفيت في مقالك

    هشام الادريسي

    ردحذف
  4. ابو المعتصم مقال موفق
    فيه عرض لحقائق بشكل جميل

    كما ان البعض مازال يعتقد ان المملكة هي مجرد خيام
    مازال البعض يعتقد ان استراليا هي ارض مكبلي الأيدي وما وراء القضبان الذي لا بد ان ينعكس على اسلوب معيشتهم المستقبلي

    تخلصوا من كثير من ماضيهم "المنيل" لصناعة مستقبلهم

    فهي الدولة التي ساهمت في ان يكون المواطن هو الأول في كل شيء وجميع الأنظمة تدل على ذلك قولا وفعلا
    فلا للعنصرية ولا للعرقية

    ساهم الأبيض والأسود في بناء اقوى واثبت اقتصادات العالم

    تحياتي

    ردحذف
  5. السلام عليكم ورحمة الله وبركاتة
    انا اتمنى ان ابتعث الى استراليا لكن الجامعة رفضت استراليا بشكل عام. ارجوا منك اخي ان تدرس هذا الملف ومنها اصرار الجامعات على منع الابتعاث الى استراليا ودندنتها بجملة (كندا او امريكا فقط)

    ردحذف
  6. حسن احمد الحازمي (العشة)13‏/6‏/2010 7:36 م

    اتاسف على عدم كتابة الاسم بالتعليق السابق

    ردحذف
  7. تم تمرير المقال
    إلى وكالة الجامعة للدراسات العليا والبحث العلمي بجامعة الملك عبد العزيز
    ثامر

    ردحذف
  8. ظافر الجلفان15‏/6‏/2010 10:18 ص

    ابو المعتصم جبت المفيد " لابد من التخلص من قيود الماضي لصناعة المستقبل"
    مقال رائع ومفيد وغني بالمعلومات

    ظافر الجلفان

    ردحذف
  9. فعلا مقال رائع
    سمعه استراليا التعليميه قد تكون تكون مهضومه بعض الشىء فالسعوديه قد يكون بسبب بعدها جيوغرافيا او عدم ضهورها الاعلامي مقارنه بامريكاوبريطانيا

    عبدالرحمن محمد جعبور

    ردحذف

حدث خطأ في هذه الأداة