بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله،،،
وردتني رسالة إلكترونية من أخ عزيز يبوح لي بسلوك سلبي لاحظه خلال مشاركته في الأنشطة والبرامج التي يقيمها النادي السعودي في مدينته، الرسالة عبارة عن حوار مختصر دار بينه وبين زوجته عن الوضع المزري الذي تتعرض له المرافق التي يتم حجزها لإقامة برامج النادي السعودي بتلك المدينة وكان لسان حال زوجته يقول (إلى متى ونحن هكذا؟). و أعتقد أن أكثر من سبق له المشاركة في تنظيم مثل تلك البرامج يتفق مع تلك الشكوى ويؤكدها بشكل أو بآخر، و لذا لا داعي للتكهنات حول أي نادي هذا ومن يكون الشخص...
إن المشكلة التي طرحها (سوء استخدام المرافق العامة) هي مشكلة أخلاقية "فكرية" تحتاج لمعالجة بشكل جدي وعميق يُربى عليه الطفل وتسن له القوانين وتطبق في حق مخالفيه العقوبات، فالتعامل مع المرافق العامة يحتاج لإدراك أهميتها وأثرها.
اعتقد أن وجودنا في هذا البلد يعد فرصة لنتعلم كيفية التعامل مع المرافق العامة، فعند الذهاب إلى المنتزهات تجد الكثير من الناس يقضون يومهم في تلك الأماكن وعند انصرافهم لا تكاد تجد أثرا لتلك الأعداد الكبيرة من الناس، بل يتزامن انصرافهم مع مجيء السيارات المخصصة لتفريغ براميل النفايات، و لو أخذت أحدا من زملاءنا الجدد إلى أحد تلك المنتزهات بعد الغروب بنصف ساعة فستواجه صعوبة في إقناعه بأنه قبل سويعات كان هنا المئات من الأشخاص، ولعله معذور في ذلك فلا أثر يدل عليهم !
أما إذا ما دخلت إلى مركز الحي الذي قد يكون بُني منذ عشرات السنين فستجد كل شيء في المكان المخصص له وكأن هناك عددا من الموظفين يقومون برعايته والمحافظة عليه، في حين أن هذا ليس هو الواقع، فمع انه يُستخدم من مئات الأشخاص ولمختلف الأهداف فلا يوجد عامل نظافة واحد مسئول عنه بالمعنى الموجود عندنا، وإنما يوجد موظف يمر من وقت لآخر لدقائق معدودة للتأكد من أن كل شيء على ما يرام، فمن يستخدم المركز مطالب بتنظيفه وتسليمه كما هو وإلا تم خصم تكلفة نظافته من المبلغ الذي يؤخذ كتأمين.
جامعة جريفث (فرع القولد كوست) ينتسب إليها أكثر من عشرين ألف من الطلاب والموظفين ومع ذلك فعمال النظافة فيها هم شخصين خلال النهار وثلاث سيدات في المساء فقط، كذلك المجمع الذي اسكن فيه عبارة عن ثلاثة أبراج كل برج به أربعين طابقا ومع ذلك يعمل في تنظيف المرافق العامة فيه اقل من عدد أصابع اليد الواحدة فقط !
أخيرا اضرب مثلا بالمسجد الذي يدخله أكثر من 2000 شخص أسبوعيا ولا يوجد موظف واحد مسئول عن نظافته وإنما تجد التعاون بين رواده لإبقائها في حالة يندر أن تجد فيها مسجدا في بلدنا، مع أن هناك عدد من الموظفين يعملون في مساجدنا برواتب شهرية !!
حتى أكون دقيقا فحديثي هنا عن عمال النظافة بالمعنى المتعارف عليه عندنا من الفراشين والعمالة المنزلية وعمال النظافة الدائمين، وإلا فهناك شركات يتم التعاقد معها لأعمال دورية كقص الأشجار وتنظيف المسابح وما شابهها من الأعمال الاختصاصية.
أعود للمشكلة التي طرحها أخونا محاولا هنا طرح جزء من الحل في هذا المجال، هذا الاقتراح عبارة عن خطوة أولى تهدف لزرعٍ قيم في التعامل مع المرافق العامة كعدم الإسراف والحرص على النظافة والاستخدام الرشيد. فإن مما يساعد على زرع تلك القيم: إشراك اكبر عدد من الإخوة والأخوات بل والأطفال في عملية تنظيف الصالات حتى يشعر الشخص بحجم الدمار الذي ينتج عن جمعة بسيطة تستمر لأقل من ربع اليوم فتنتج من الآثار ما تعجز البراميل المعدة للمخلفات من تحمله واحتوائه.
إن قيامنا بهذا العمل بأنفسنا سيشعرنا بالحياء من أنفسنا واستشعار المسئولية في المرات القادمة بمحاولة التقليل من هذه المخلفات ابتداء، وقد رأيت كثيرا من الإخوة يتردد في إلقاء بقايا الأكل في سلة المهملات فهو يشعر أن قيامه بذلك لا ينبغي بل يشعر أنه كفر للنعمة. لقد أصبح من المقبول بل من المعتاد جعل بقايا الأكل في حافظات و توزيعه على الحضور ليأخذوه إلى بيوتهم، وهذه عادة حميدة اكتسبناها بمزاولتنا رفع بقايا الأكل بعد أن ننتهي منه، فلم نكن ندري ولا نريد أن نفكر في ما الذي يُفعل بهذا الأكل الذي يفوق ما يتم أكله !
لعل ذلك نتاج تعودنا على العمالة الرخيصة في بلادنا والذي جعل من النادر مشاركتنا في تنظيف الأماكن التي نستخدمها إن كان ذلك المكان يخصنا، وأما الأماكن العامة كالحدائق والمنتزهات فلا يخطر بالبال المشاركة في تقليل المخلفات ووضعها في مكان واحد فضلا عن المشاركة في التنظيف. و إذا ما كنا في البر فسنترك المهمة للريح والشمس لتقوم بدور تنظيف المكان و تعقيمه !
وهنا أذكر بأن مما يزيد الحرص على نظافة المرافق العامة بعد استعمالنا لها هو استشعار تمثيلنا لديننا ووطنا شئنا ذلك أم أبينا.
إن المشاركة في تنظيم البرامج العامة يساعد في إكساب الشخص نظرة شمولية للأمور مع التفكير في تبعة كل تصرف قد يقوم به وهذا سينعكس إيجابيا على تقدير الجهد المبذول في أي نشاط تطوعي سيحضره في المستقبل.
أخيرا ... فهذه مجرد إشارة على الطريق أحببت أن أشارك بها، وإلا فالموضوع كبير ومتشعب ويصعب الإحاطة به في مقال كهذا، وأدعوك أخي القارئ لإثراء الموضوع، فرأيك محل التقدير والاحترام...
مواضيع وروابط أخترتها لك:

16 تعليقات ::