الأربعاء، فبراير 24، 2010

انا ما أحد يتحداني …

image

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله ...

مجموعة من طلاب جامعة الملك سعود يسكنون في مجمع سكني به العديد من الشقق أو "العِزب" في حي الفلاح شمال مدينة الرياض. يتحدثون عن أشياء كثيرة ولكن هذه المرة النقاش حاد جدا. فهو عن شأن الساعة، عن الابتعاث، من سيذهب ومن سيبقى وهل هو مفيد أم ضار.

ينطلق عبد العزيز في حديثه عن الابتعاث ومساوئه ويختم حديثه بقوله أنه لو كان مقتنعا بالابتعاث لحصل عليه متى أراد ولكنه غير مقتنع بالفكرة.

ضحكة ساخرة من محمد أعقبها بقوله "حــــــــــــــــــــــامض يا عنب"...

عبد العزيز وبكل انفعال: "إش قصدك "

محمد: قصدي واضح ولا يحتاج لشرح ... أنت تعلم عجزك عن الحصول على بعثة ولذلك تتكلم عن سلبيات الابتعاث وتحتج بعدم حرصك عليه.

عبد العزيز : حسناً ... سأثبت لك و"لأشكالك" أني قادر على ذلك ... والأيام بيني وبينك.

عبد العزيز هو طالب في السنة الثانية بقسم الهندسة المدنية في جامعة الملك سعود. من أسرة متوسطة الحال تسكن في إحدى قرى المملكة وهو يقيم في الرياض بصورة مؤقتة للدراسة في جامعة الملك سعود.

قرر بعد ذلك النقاش أن يدخل التحدي و يبحث عن بعثة بأسرع وقت ممكن. وقد أصبح شغله الشاغل هو الحديث عن البعثة. وحين عاتبه صديقه أحمد قائلا له هل أنت مجنون ؟ كيف تضيع سنتين من عمرك؟ فرد عليه بأنه مصمم على قراره "ليثبت لبعض الناس انه قد التحدي" كما يقول.

بدأ يفكر

"اين أذهب .. إلى أي دولة، أمريكا؟ يقولوا فيه مشاكل وفيزتها صعبة. كندا؟ باردة جدا وأنا لا أحتمل البرد الشديد. شكلي سأجرب استراليا".

في اليوم الثاني ذهب لمكتب متخصص في ألحصول على القبول من الجامعات الأسترالية والنيوزلندية. وحين دخل المكتب دلوه على "إقبال" المسئول عن القبول في الجامعات الأسترالية.

عبد العزيز: صديق "فيه عندك قبول من جامعة استرالية بس تكون حليوه والمدينة كويسه"

إقبال : إش التخصص؟

عبد العزيز: "أي شي ... إدارة... ولا أقول خلها هندسة مدنية عشان استفيد من دراستي".

إقبال: "انته في معلوم أي جامعة".

عبد العزيز: "يا أخي قلت لك أي جامعة ... شوف لي على ذوقك .. انت شكلك فاهم".

إقبال: "ابسر .. بس فين أوراق حق انته"

عبد العزيز: أي أوراق؟

إقبال: "زواز، سهادة" ...

عبد العزيز: "صحيح والله كيف ما جت على بالي ... خلاص أنا فيه يجي الأسبوع الجاي".

مشوار طويل و ذهاب وجيئة لإصدار جواز سفر وإكمال الأوراق واتصالات متكررة مع إقبال وتعرف على البريد الإلكتروني لأول مره.

أخيرا ... وبعد كل تلك الجهود حصل عبد العزيز على قبول من جامعة استرالية في مدينة الساحل الذهبي. فأخذه بكل سرور وهو يقول:

"هالحين محمد وأشكاله يتعلموا ما يتحدوني مرة ثانية".

و ذهب مباشرة إلى وزارة التعليم العالي وقدم أوراقه للحصول على بعثة ضمن برنامج خادم الحرمين للابتعاث.

بمجرد أن بدأت فكرة الابتعاث عند عبد العزيز أهمل دراسته، فلم يعد يلتزم بالحضور أو كتابة الأبحاث بل حتى الاختبارات النصفية لم يحضر أكثرها فهو لا يفكر إلا في السفر، وقبل بداية الاختبارات النهائية كان أسمه على قائمة المحرومين في جميع المواد.

لأول مرة يقع عبد العزيز في هذا الموقف، ولكن مما خفف أثر الحرمان على نفسه أن اسمه كان ضمن المرشحين للبعثة. ذهب إلى الوزارة وأخذ صورة من قرار الابتعاث ثم ذهب كالمعتاد إلى "العِزبة" ولكن هذه المرة بكل زهو، فسيتمكن أخيرا من أن يثبت "لمحمد وأشكاله" أن أبو سعود ما أحد يتحداه.

بدأ عبد العزيز إجراءات السفر والتقديم على الفيزا وفي فترة الانتظار ترك الرياض وذهب إلى قريته لا ليقضي إجازة منتصف العام الدراسي كالمعتاد ولكن ليخبر والديه عن ما عزم عليه.

كان الخبر سعيد بالنسبة لوالده فهو يحلم بأن يكون أحد أبناءه خريجا من جامعة أجنبية. أما أمه فكان الخبر بالنسبة لها لا يُحتمل، فهي تعاني بعده عنها وهو في الرياض فكيف إذا سافر إلى بلاد الغربة. أسبوع كامل وهي تصل الليل بالنهار بكاء ونحيبا، دعاء وابتهالا، أما هو ووالده فيحاولون إقناعها دون جدوى وفي كل مرة ترد عليهم: "طيب خلص دراستك هنا وتزوج بنت الحلال وبعدها سافر أي مكان، بس الآن صعب يا ولدي صعب". وبعد أخذ ورد ومحاولات وإلحاح وافقت الأم على سفره مكرهة.

أقام له أهل القرية حفل وداع اختلطت فيه مشاعر الفرح له بالحزن على فراقه فهو المبتعث الأول من قريته. وقد سرت شائعة في القرية أنه قد حقق ابتكارا علميا في إحدى التجارب المعملية فحصل على منحة دراسية للدراسة في الخارج، فهو عقلية فذة لابد من استثمارها وتطويرها في دولة متقدمة. طبعا تلقى عبد العزيز وعائلته هذه الشائعة بشي من الغبطة ولم يثبتوها كما لم ينفوها.

في اليوم التالي تلقى اتصال من إقبال يخبره بأن الفيزا قد وصلت ويمكنه السفر متى ما أراد. فحجز على اقرب رحلة للرياض، ثم ودع أهله ولكن هذه المرة كان الفراق صعبا بعض الشيء مما أثار الحزن لديه ولدى والديه وإخوته، فخيم على البيت شعور بمرارة الفراق...

ودعـتـه وبــودي لــــو يودعــــــنـي صفـو الحـيـاة وأنــي لا أودعـــه
وكم تشبث بـي يـوم الرحيـل ضحـىً وأدمـعـي مسـتـهـــلاتٌ وأدمـعــه
وكـم تشفـع لــــــي كـيـلا أفـــــارقـه وللـضـرورات حــال لا تُشـفـعـه
ما كنـت أحسـب أن الدهـر يفجـعنـي بــه ولا أن بـــي الأيـــام تفجـعـه
حتـى جـرى البيـن فيمـا بيننـــــا بيـد عسـراء تمنعنـي حـظـي وتمنـعـه
لأصــــــبـرن لـدهــر لا يمتـعـنـــــي بـه ولا بـي فــي حـــــال يمتـعـه
علماً بـأن اصطبـاري معقـبٌ فرجــاً فأضيـق الأمـر إن فكرتَ أوسـعـه
عسى الليالـي التـي أضنـت بفرقتنــا جسمي ستجمعني يومـاً وتجمـعـه
وإن تـغُـل أحـــــداً مـنــــــا منـيـتـــه فمـا الــذي بقـضـاء الله يصنـعـه*

هنا أودعك أخي القارئ على أمل اللقاء بك قريبا بإذن الله.

*من قصيدة للشاعر أبو الحسن علي بن زُرَيْق البغدادي رحمه الله


مواضيع أخترتها لك:

هناك 11 تعليقًا:

  1. صالح العمير24‏/2‏/2010 6:08 ص

    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
    طرح جميل وعسى خواتمها طيبة اهم شي لايتفلس الدنيا والاخرة الله يوفقه

    ردحذف
  2. عدت والعود أحمد...ألف الحمد للرحمن على السلامه يا أبا المعتصم...

    ردحذف
  3. الحمد لله على السلامة يا أبا المعتصم وتمنياتنا لك بموسم مبدع كما عودتنا.
    والأخ عبدالعزيز بطل القصة أمثاله مو قليل لكن ما نقول الا عسى الله يفتح على قلوبهم وينور بصيرتهم ليس لاقتناص الفرص فقط بل وللاستفادة منها أيضاًز

    تقبل مروري.
    أبو إلياس

    ردحذف
  4. الحمد لله على السلامة أبا المعتصم ولكن يبدو دائما الإجازات تفقدنا قلمك الرائع ولكن بانتظار المزيد من روائعك . أما الحديث عن الابتعاث يطول وذو شجون وخصوصا من يعايش تلك الفترة بما فيها من سلبيات وإيجابيات ،ولكن الإنسان الفطن من يستغل تلك الفترة في التطوير من ذاته وإكتساب المعرفة وثقافات متنوعة.

    تحياتي لك بالتوفيق ،،،،

    ردحذف
  5. مرحبابك يا أبا النعتصم وبعودتك
    وشوقتنا لقصة عبدالعزيز الي ما أشوف انها غريبة علي (على الأقل في بدايتها)لأني أذكر كذا قصة مقاربة لقصته

    عموماً لا تطول علينا وكملها بسرعة

    أخوك/ أبو عبدالملك

    ردحذف
  6. أهلن بك أبا المعتصم
    القصة جميلة
    والأجمل هو أن نعي أن الحياة محطات بحلوها ومرها
    والعاقل من اتعض بغيرة
    ونسال الله أن يحفظ الجميع بحفظه ويرعانا بعنايته وحفظه

    وتحياتي لك مجددا

    محبك
    أبا الأمين

    ردحذف
  7. عودا حميدا وعمر مديدا وبارك الله فى جهد وقلمك


    د علي

    ردحذف
  8. عوداً حميداً أبوالمعتصم والحمد الله على سلامة الوصول

    أتمنى أن تكون بأتم صحة والأهل هنا وفي السعودية

    تقبل تحياتي


    ابو رند

    ردحذف
  9. هلا وغلا

    يالحبيب يالغالي

    ليتك دايم قبالي

    محبكم عبدالله نيازي

    ردحذف
  10. Assalamu Alaikum Brother Hasan
    wellcome back to Brisbane and gold coast and i hope that we meet again in sha allah
    I like this post and i like more the poem of Abu-Alhasan.
    I reckon that you meant the missed part of the poem from this post .
    i will not spoil the next post and waiting the other part of Albaghdadie's poem
    Regards

    Issa Medraj .

    ردحذف
  11. وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته

    حياكم الله جميعا وبارك فيكم

    د عيسى هذه هي القصيدة الكاملة

    اكتفيت منها بما يناسب المقال


    لا تعذليهِ فإن العذلَ يولعهُ
    قد قلتِ حقاً ولكنْ ليسِ يسمعهُ
    جاوزتِ في لومه حداً أضرّ به
    من حيثُ قدّرتِ أن النصحَ ينفعهُ
    فاستعملي الرفقَ في تأنيبه بدلاً
    من عذله فهو مضنى القلب موجعه
    يكفيه من لوعة التفريق أن له
    من النَّوى كل يوم مايُروعه
    ما آب من سفر إلا وأزعجه
    رأي إلى سفر بالرَّغم يجمعه
    كأنما هو في حل ومرتحل
    مُوكلٌ بفضاء الأرض يذرعه
    أستودع الله في بغداد لي قمراً
    بالكرخ من فلكِ الأزرارِ مطلعهُ
    ودعته وبودّي لو يودْعني
    صفوُ الحياةِ وأني لا أودّعهُ
    وكم تشفع لي أن لا أفارقه
    وللضرورات حالٌ لاتُشّفعه
    وكم تشبثَ بِيْ يومِ الرحيل ضحى
    وأدمعي مستهلاتٌ وأدمعهُ
    لا اكذبُ الله ثوبُ الصبرِ منخرقُ
    مني بفرقته لكن ارقعُهُ
    إني أوسعُ عُذرِي في جنايته
    بالبينِ عنه وجرمي لا يوسعهُ
    لا يطمئن لجنبي مضجعُ وكذا
    لا يطمئن له مُذْ بِنْتُ مضجعهُ
    ما كنت أحسب ان الدهرَ يفجُعني
    به ولا ان بي الأيام تفجعه
    حتى جرى الدهر فيما بيننا بيد
    عسراءَ تمنعني حظي وتمنعه
    وكنت من ريب دهري جازعاً فَرقاً
    فلم اوق الذي قد كُنْتُ اجزعهُ
    يامن اقطع أيامي وأنفذها
    حزناً عليه وليلي لستُ أهجعهُ
    علّ الليالي التي اضنتْ برفقتنا
    جسمين تجمعني يوماً وتجمعهُ
    وإن يدم أبداً هذا الفراق لنا
    فما الذي بقضاء الله نصنعه

    ردحذف

حدث خطأ في هذه الأداة