الأحد، يناير 02، 2011

رئيس وزراء أم ولي أمر…

image

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله ,,,

في يوم الخميس 10/8/1431 هـ الموافق 22/7/2010 م وفي حفل التخرج للفصل الدراسي الأول لجامعة جريفث والمقام بمركز المؤتمرات والمعارض بمدينة برزبن حضرت قبل بداية الحفل للقاعة المخصصة لأعضاء مجلس الجامعة والضيوف الرسميين وقد كان كل شيء كالمعتاد فلم أرى ما يلفت النظر.

أثناء المسيرة الأكاديمة للمنصة أخبرتني رئيسة المجلس أن رئيس الوزاراء الاسترالي السابق (وزير الخارجية الحالي) كفن رود سيكون حاضرا ضمن الجمهور حيث أن ابنته ستكون ضمن قائمة الخريجيين. كفن رود كان قبل الحفل بأقل من ثلاثة اسابيع رئيس للوزراء وقد كان حديث الإعلام المحلي والعالمي في الأيام القليلة السابقة للحفل بعد أن أزيح عن منصبه كرئيس للوزراء في حدث تاريخي بالنسبة للسياسة الاسترالية.

كان حضوره للحفل كأي شخص حضر احتفالا بقريب أو صديق، فلم تكن هناك أي حراسة فضلا عن أي اجراءات أمنية أخرى، بل إن غالبية من حضر لم يعلموا أصلا بوجوده. إعتقدت في البداية أن عدم اتخاذ تدابير أمنية أو تشريفية له كان بسبب أنه لم يعد رئيسا للوزراء ! للتأكد من ذلك قمت بسؤال رئيسة المجلس عن سبب عدم إعطاءه شيئا من التكريم ولو من خلال كلمتها في الحفل، فقالت: "أنه هنا كولي أمر لطالبة لا كقائد سياسي، و مع كل الاحترام والتقدير له فحتى لوكان لا يزال رئيسا للوزراء فهذا لن يغير في الأمر شيء فنحن نفرق بين الصفة الشخصية والصفة الإعتبارية ولا يجوز لنا تفضيل طالب على آخر بالترحيب بأهله دون البقية".

قبل الحفل قام مدير الجامعة بتوجيه ثلاث دعوات لكفن رود و زوجته وابنته كمجاملة شخصية من المدير لا كضيافة رسمية من الجامعة. في نفس الحفل كنت قد دعوت الزميلين علي الهمامي و محمد عسيري للحضور إحتفالا بأخينا تركي الحرملي الخريج في ذلك اليوم وقد اصطحبتهم معي للمكان الذي يتم فيه الاحتفاء بالضيوف الرسميين للحفل وكان من بين الحضور كفن رود وزوجته وابنته.

سلمنا عليه وتحدث معنا بكل لطف واخبرنا بسعادته برؤية طلاب سعوديين في هذا المكان فتواجدهم يعمق العلاقات الجيدة بين البلدين والشعبيين السعودي والاسترالي، أتاح لنا اللقاء فرصة للتعارف السريع وسؤاله لنا عن تخصصاتنا وما إذا كنا ننوي البقاء أم العودة إلى المملكة بعد التخرج، ثم ختم محاثته بقوله أنه كان مسرورا جدا بمقابلة الملك عبدالله والتحدث معه في قمة العشرين وهو سعيد أيضا بلقائه بنا هنا.

في ذات اليوم و في حفل تخرج آخر (أقيمت ثلاثة حفلات) كان ضمن الخريجيين حفيدة رئيسة مجلس الجامعة، ورغم ذلك لم يعلم أحد بأن حفيدة رئيسة المجلس هي من ضمن الخريجين فلم تعطها أي مزيد حفاوة بل عاملتها ككل من يمر أمامها من الخريجين. شخصيا لم أعلم بذلك إلا خلال تواجدي بعد الحفل في منطقة الإحتفاء بالضيوف حيث اِصطحبت رئيسة المجلس ابنتها وحفيدتيها لمنطقة الضيوف فمن حق كل عضو في مجلس الجامعة اصطحاب ثلاثة أشخاص لكل حفل تخرج يحضره وقد ألزمت رئيسة المجلس نفسها بهذا التنظيم ولم تخرم البرتوكول ولم تميز حفيدتها بأي شيء عن زملائها الخريجين فحققت ما تَحدَثت عنه من التفريق بين الصفة الاعتبارية والصفة الشخصية.

أعتقد أن الخلط بين الصفة الإعتبارية "المنصب" والصفة الشخصية "الإنسان" مضر بالمجتمع كما هو مضر بالفرد (صاحب المنصب). إن الضرر على المجتمع يأتي حين يُفرض عليه تفرقة طبقية بحكم المناصب والخلفيات الإجتماعية مما يزيل معنى المساواة بين أفراد المجتمع و الحديث يطول عن الأضرار المترتبة على غياب المساواة. أما الضرر على الفرد فيحصل حين يُحرم أصحاب الصفات الإعتبارية الرفيعة من ممارسة حقهم في الحياة الطبيعية بأريحية تجنبهم تطفل الآخرين وتمكن الواحد منهم من التحرك بلا كلفة ليمارس حياته الطبيعية خارج أوقات مهماته الرسمية فيعيش كإنسان عادي "يأكل الطعام ويمشي في الأسواق"، يفرح ويحزن، يمرض ويتعافى، يلاعب أطفاله ويقضي مصالحه كبقية خلق الله.

لعل مرد هذا إلى إشكالية ثقافية لدى المجتمعات الشرقية، حيث يذوب الشخص في منصبه حتى لا يمكن الفصل بينهما فيتضرر الإثنان معا ويتضرر تبعا لذلك المجتمع الذي سمحت ثقافته بل أحدثت هذا الخلط الرهيب.


مواضيع أخترتها لك:

هناك 8 تعليقات:

  1. غير معرف3‏/1‏/2011 4:24 م

    هل تعلم ان عملية التفريق بين الصفة الشخصية والصفه الاغتبارية( المنصب) اساس من اسس ديننا العملية
    ولكننا ابتعدنا عن تطبيقها لاننا ....لا ادري .... لاسباب كثيرة ليس المجال مجال ذكرها

    ولكن انظر الى اهم ركن عملي في الاسلام يؤدى يوميا
    يعلم ولكن قل من يتعلم
    حين يقف المصلون في المكان ونفس الكيفية و,,وووووو
    انظر الى الحج ولباسه ......اليس كذلك

    وكثيرة هي الادله ولكن اشارة ليس الا

    ابو عبدالله

    ردحذف
  2. غير معرف3‏/1‏/2011 4:24 م

    أخي الحبيب

    سلام الله عليك

    من أرض الحرمين الشريفين

    حفلات الخريجين لدينا لا يمكن أن تتجاوز فيها المسؤولين الكبار

    بل إن الحفل الذي لا يوجد به مسؤول كبير لا يعتبر حفلاً مثالياً

    بل يُعد من الحفلات السلبية والتي عادة ما تؤثر على الحضور

    ولا أدري متى يأتي اليوم الذي ننفك فيه عن هذه التقليعات الغير إيجابية

    بل متى يأتي اليوم الذي نرى فيه الطابور الذي وقف فيه المسؤول قبل المواطن

    أتمنى أن ارى ذلك شخصيا

    قبل أن أن يروه أحفادي

    ولك ألف تحية من العاصمة الرياض

    محبكم

    ابو محمد

    ردحذف
  3. غير معرف3‏/1‏/2011 4:28 م

    Naif Mohammed
    رائع أنت وجميلة سلسلتك " مدرسة الحياة " موفق دوما بإذن الله اخي حسن ..


    Salem Alamri
    متى سيتم التفرقة بين الصفتيين الاعتبارية والشخصية في بيتنا الكبير؟ ام سنستمر في التفرقة بين الأشخاص تبعاُ لصفاتهم الاعتبارية؟

    الا ترى انه حان الوقت لتكسير بعض القيود الثقافية التي ثبت ضررها

    Anwar Jabour Al-Hazmi
    اعجبتني الصورة والسلالسة ووضوح الفكرة... لكنني اظنك تعلم ان مثل هذا التصرف وهذا الوضوح في الفصل بين الانسان والمنصب صعب جدا جدا جدا في مجتمعناالذي ساهمت فيه الحكومة في تعزيز الطبقية وتعزيز فكرة الاكاسرة في ان هناك طبقة او سلالة تقع في المنت...صف بين البشر والملائكه. اظن ان الاية انقلبت كليا، فعليك ان ترجع يا اخي وتخبر تلك السيدة التي شرحت لك اننا هنا لا تعطي المناصب او الوجاهة للجهة الاعتبارية وانما لسؤال بسيط وهو ( وش ترجع) ثم تشرح لها كيف ان رئيس نادي مثلا يصول ويجول ويسب ويضرب خلق الله ورجال الأمن ولا يخشى ان يتطاول عليه احد ويقول له ( عيب يا طويل العمر) لان الاصل عندنا صفتين اعتبارية واخرى اجبارية واتحداها اذا فهمت عليك العجوز وراح تقول لك بطل جوكينق يا هاسان

    Deiaa Mohammed
    مقال أقل ما يقال عليه أخي الكريم رائع, لكن للاسف في مجتمعاتنا العربية اذا أصبح الشخص ذا منصب فإن الصفة الاعتبارية تقضي على صفته الشخصية , وليس على مستوى كبير بل على المستوى الصغير أيضا , فماذا ستفعل حضرتك لو جارك أو قريب لك أصبح ذا منصب؟؟

    Ahmad Saud
    اكثؤ من رائع

    Mohammed Algesayer
    بارك الله فيك
    الصورة التعبيرية في المقال تحتاج إلى مقال آخر

    Hassan Abdullah Es'haq
    أخي أبا المعتصم
    هذا الكلام هناااااك وسيصبح ماض غن قريب، أما هنا فلن تجد إلا الحرص .. على الشخصية الاعتبارية، فشتان ما بيننا وبينهم .. ويا حسرتاااااااه
    ننتظرك بشوق المحبين

    Ahmed Alhazmi
    في أمة قيمة الفرد فيها بقدر ما يملك من "سلطة" أو بقدر له من انتماء لمجموعة ذات سلطة ... لا يمكن أن يحس الانسان بوجوده وقيمته إلا بأن يبحث عن قناع يواريه من قهر الرجال .

    ردحذف
  4. غير معرف3‏/1‏/2011 9:15 م

    مقال جميل جدا وخاصة عندما يتم ربطه بقصة

    لك مني كل الدعاء بالتوفيق

    عائض القرني

    ردحذف
  5. مادام أنك قد أوردت هذه الصورة التي لا أجد لها وصفا إلا أن أقول بأنها شعار الاستبداد وهو جالس على الكرسي البريئ الذي حملته ما لا يطيق فبدلا من أن يكون الكرسي هو المظلوم جعلته هو الظالم.حتى لا أكون منحازا للكرسي يجب أن أقول أن ذنب الكرسي الوحيد أنه لا يفرق بين من يجلسون عليه فلو تنبه لذلك ففرق لما جلس عليه عربي قط كما أنه في الجانب المقابل لما جلس عليه غربي البتة

    ردحذف
  6. غير معرف4‏/1‏/2011 1:09 ص

    في مجتمعنا تمارس اعتى حركات الخلط بل بالإجبار بين الصفة الإعتبارية والصفة الشخصية ..
    بل ان المحزن ان يهمش صاحب المعنى لتتجه العناية الفائقة الى ذلك الضيف الذي يفرض نفسه ..
    بل نحن من فرضه على الجميع ..

    جميل جدا ان يشعر الكل بنفس نسبة الإحترام والتقدير .. دون بخس في تقدير الضيف واحلاله محله ..

    ما اقصده .. ان وجهت كلمات الترحب وكرم الضيافة والبسمات الكاذبة احيانا .. فيجب ان توزع بشكل لا يحجب البقية ولا يقلل قدرهم .. بغير غلو للضيف القادم ..

    عزيزي حسن / هذه البهرجة هي ما تجعل الفساد ينتشر بكلك انواعه ..
    فمحاسبة الرئيس الموقر على تجاوزه للنظام امر من الطيش
    الذي يدعوا الى التعجب الفاضح بل ربما الى الفصل من الوظيفة ..
    وهكذا دواليك .. فلننظر سويا .. الى عدد المحلات الغير مرخصة والى العمالة المخالفة ..
    والى المناقصات المضطهدة ..والى سيارات الدوائر الحكومية المستخدمة شخصيا ..
    والى والى .. عذرا اعتقد انني هنا لن انتهي ..

    ناهيك عن العواقب النفسية لتلك الفوقية التي نصنعها نحن ..
    لا مانع ان نعطيهم قدرهم .. وذلك ليس عذرا في ان نبخس البقية قدرهم واحترامهم ..

    عذرا اطلت ..
    ولكن .!!

    لا ادري لما انا هنا متشائم .. اراه من الصعب ان نفك التوامة بين الصفة الإعتبارية وطريقة التعامل معها في كافة الأنشطة الحياتية من قبل المجتمع ..


    اتمنى ان يكون المستقبل باسماً ..
    وان نرقى بفكرنا ..
    اشكرك على هذه الإضاءة ..والتي نحتاج لها كثيرا ..

    سفير المعرفة

    ردحذف
  7. قبل شهرين تقريبًا، كنت أتحدث أنا وأحد الزملاء عن هذه الموضوع، فالدكتور -مثلاً- هو دكتور في الجامعة، فلماذا يستمر دكتور في البيت وفي المسجد وفي الحي ... في الجامعة هو دكتور، وفي البيت هو أب، وفي المسجد هو مصلي، وفي الحي هو فرد من أفراد الحي ... ولكن هذا تنظير صعب التطبيق في مجتمعنا، فإذا لم تحافظ على نفس المنصب في جميع أحوالك تبقى مغمور!.

    ولكن الأمل في الله ثم في شباب الوطن المبتعثين والمتنورين أمثالك سيغيرون هذا الوضع إن شاء الله.

    بالمناسبة حبيبي أبا المعتصم، لماذا توقفت عن الكتابة في سبق؟ أمثال هذه المقالات بحاجة للنشر على نطاق واسع، وسبق أحد المواقع العشرين الأكثر مشاهدة في السعودية. أتمنى أن تعود للكتابة في سبق للتوعية على نطاق واسع.

    وفقك الله

    ردحذف
  8. غير معرف6‏/1‏/2011 9:30 م

    جميل هذا الفكر الذي تنقله

    هذا بلا شك مناط تسأؤل لدينا في مجتمعاتنا الشرقية

    والغريب في الامر انا هنالك لدينا هالة تكاد تكون مسيطرة في كثير من اوساطنا الشرقية بوجه الخصوص.

    كل الشكر لك استاذي العزيز

    متابع لك بقوة دمت بقرب

    نايف

    ردحذف

حدث خطأ في هذه الأداة