الثلاثاء، مايو 05، 2009

لن ترضع حتى تبكي !!

ist2_3969759-crying-child

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله,,,

في الأسابيع الأولى من قدومي لأستراليا - عام 1426هـ - طلبت مني مديرة البناية التي اسكن فيها موعدا مهما وعاجلا - كما وصفته - في رسالة وجدتها تحت باب الشقة، قلت في نفسي: "اللهم اجعله خير" فما زلنا في البداية.

الموضوع الهام والعاجل هو أن ابني يبكي حين خروجي من البيت، وقد اخبرها بعض الجيران بأنهم سيشتكون على جمعية حماية الطفل، فهم يعتقدون أن طفلي يتعرض للتعذيب ! أخبرتها بأن ابني يبكي بشكل طبيعي - في اعتقادي - لأنه يرغب في مرافقتي ولكني امنعه من ذلك فما المشكلة ؟ قالت: عليك أن تجد طريقة لإقناعه ! وكيف سأقنع طفلاً عمره ثلاث سنين؟ "خليه يبكي ولما يتعب هيسكت، ما أحد يموت من البكاء" كما يقال.

قالت لي: إن هناك جمعيات وجهات متخصصة في حماية الأطفال ومراقبة أي تجاوزات تحصل ضدهم حتى ولو كانت من والديهم، فلو تعرض الطفل للضرب في مكان عام فربما يتعرض والديه للمسائلة وربما السجن والغرامة مع اخذ الطفل لدار رعاية اجتماعية. كما أخبرني احد الأصدقاء - فيما بعد - بأنه إذا كان يقوم بالكشف على طفل يشكوا من الزكام - مثلا - ولاحظ وجود بعض الكدمات على جسمه فمن من واجبه كطبيب أن يتأكد من سبب ذلك، و إذا شك بأنه ناتج عن ضرب فعليه تبليغ الجهات المسئولة عن حماية الأطفال. بل حتى المدرسين يقومون بالإبلاغ عن أي طفل يشكّون في تعرضه للضرب.

التزمت لها بأن أعمل على تلافي ذلك في المستقبل. وأخبرت زوجتي بما حصل وسبب مجيئها إلينا، وحاولت إفهام ابني المعتصم - ذي السنوات الثلاث - أن لا يحرجنا في هذا البلد، فهذه أيامنا الأولى ولا نريد الدخول في أي مشاكل، فماذا كانت النتيجة ؟

مرت الأيام وأصبح هذا سلاح يستخدمه ضد أمه فإذا طلب منها أي شيء فرفضت، قال لها أعطيني أو سأبكي حتى تأتي الشرطة ويأخذوك إلى السجن. كما أصبح لا يبالي بتلميحي بالعقوبة ونحن خارج البيت لعلمه بأني لا استطيع فعل شيء في الأماكن العامة.

في الحقيقة أن الموضوع كان محل تفكير ومراجعة وتحليل لسنوات، فقد لاحظت - كغيري من المبتعثين هنا - قلة بكاء أطفالهم مقارنة بأطفالنا، حاولت تتبع مراحل التربية عندنا وثقافة البكاء عند الطفل.

وجد أنها تبدأ من أيامه الأولى " لن ترضع حتى تبكي، وسترضع حتى تبكي " ثقافة ينشأ عليها الطفل وتظل معه لفترة ليست بالقصيرة. هو يتعلمها من أول يوم في ولادته فغريزته تدفعه للبكاء تعبيرا عن الجوع، مما يدفع أمه للالتفات له وإرضاعه وهذا الأمر طبيعي، المشكلة تبدأ عندما تهمله الأم حتى يرتفع صوته بالبكاء وبعدها تقرر إرضاعه، ثم حين يشبع فهي تحاول إجباره حتى يبكي، فتعتقه لوجه الله، وهذا يربيه على أن البكاء هو سلاحه للحصول على ما يريد أو للتهرب مما لا يريد.

تستمر هذه الطريقة في التعامل مع الأطفال إلى أن يكبروا، فهم لا يحصلون على أي شي - سوأ كان هذا الشيء حق مشروع أو لم يكن كذلك - إلى بعد البكاء والإلحاح. عندما يطلب مني ابني شراء شيء فهل أشتريه له مباشرة، أم أرفض ثم اخبره بسبب رفضي لشرائه بكل صراحة، أم أماطله وادخل معه في اختبار التحمل، فإما أن ييأس من ترديد الطلب أو استجيب لإلحاحه بعدما افقد القدرة على التحمل لكثرة إزعاجه لي.

منظر يتكرر أمام عيني هنا في الأسواق ، طفل يطلب من والدته شراء لعبة، تنزل له على ركبتيها وتخاطبه كما تخاطب شخصا كبيرا بالسبب الحقيقي الذي يمنعها من شرائها له: (اللعبة غير مناسبة - أنت لم تقم بواجبك ولا تستحق اللعبة - سأشتري لك أحسن منها وبسعر ارخص من المحل الفلاني - اشتريت لك في الأسبوع الماضي لعبة لا زالت جيدة - ليس لدي مال كافي ...) وهكذا ينتهي الحوار دون صراخ وعويل في معظم الأحوال.

كثيرا ما أتجاهل طلبات أبني عندما يكون مؤدبا وغير ملح في الطلب، أما عندما يصر ويبكي فإني أحقق رغبته. كثيرا ما أقول "لا" ثم أتنازل دون سبب إلا الهرب من الإلحاح. كثيرا ما أعد طفلي بجائزة أو هدية ثم أتنصل من التزامي بأعذار واهية. كثيرا وكثيرا ...

هذه الطريقة في التعامل ترسخ أن البكاء هو السلاح الوحيد للطفل للحصول على ما يريد أو للتهرب مما لا يريد، خصوصا أمام الآخرين لأنه سيحرج الوالدين ويدفعهما للرضوخ وهذا ما يجعلنا في كثير من الأحيان نشعر بالحرج من أطفالنا عند ما نكون في مكان عام وهم يصرخون بأعلى أصواتهم للحصول على ما يريدون، فهذا زرعنا وعلينا أن نتحمل تكلفة حصاده.

إن معرفة الطفل لحقوقه وواجباته بشكل واضح يجعل التعامل معه أسهل وأوضح ولا حاجة للمماطلة، لنتعامل مع أطفالنا بقاعدة: ستحصل على حقوقك دون مطالبة، ولن يفيدك البكاء والصراخ في الحصول على ما ليس لك.



روابط ذات علاقة:

هناك 14 تعليقًا:

  1. غير معرف6‏/5‏/2009 8:57 ص

    بالفعل حقيقة لمستها على أرض الواقع

    يتعاملون بلغة الحوار والإقناع مع الطفل كثيراً

    ولكن مع ذلك وجدت أطفال يبكون وأطفال يتأففون ويتذمرون

    وأطفال أيدي أبائهم امتدت عليهم أمام عيني ولكني لم أبلغ حقوق الطفل

    أعتقد أنه يوجد بعض هذه الأشياء لديهم أيضاً ولكن قد تعتبر حالات شاذة

    وليس كماهو الحال لدينا!

    ولكن السؤال المهم هل يوجد لدى الوالدين لدينا الصدر الرحب للتعامل مع الطفل

    بهذا الأسلوب أم أن تلبية متطلبات الطفل والتخلص من بكاءه وعويله بأي طريقة

    ولو كلفتهما دفع مبلغ ليس بالقليل من أجل لعبة أو شيء قد لا يناسب سنة

    أحترم نظام الغرب كثيراً منظمون حتى في تحديد عمر الأطفال على كل لعبة

    ذهبت لشراء دمية براتز المشهورة كشقيقتها باربي لابنتي أختي فبحثت في كتالوج

    فوجدت مكتوب بجانب بعضها عمر 6 سنوات والبعض الآخر 3 وخمس سنوات حسب

    حجم وشكل الدمية ويتقيدون بذلك كثيراً

    ونحن قد نشتري لطفل عمره لا يتجاوز السنتين لعبة أكبر من سنة وحجمه جهلاً وليس غباءاً!

    يبدو أننا نحتاج وقت طويل لنكتسب الأشياء الجميلة

    عذراً خرجت عن سياق الموضوع ولكن المغزى نفسه

    شكراً لجمال طرحك..

    متمردة

    ردحذف
  2. غير معرف6‏/5‏/2009 8:57 ص

    حسن الحازمي

    وفقك الله -لمست إضاءات في حروفك... ربما تنير لي مستقبلا.

    ردحذف
  3. غير معرف6‏/5‏/2009 2:27 م

    الكاتب العزيز .........
    سعدت بقراءة ما كتبت .... حفظ الله المعتصم لك وأقر به عينك .

    يا عزيزي ... السياسات تعددت من .... بكاء الرضيع ..... إلى تجويع ( الكبير ) وكما يطلق عليه " *** " ....

    ليت لنا نظاما كنظام استراليا ..... لما استطاعوا أن يجوعوا هذا **** الكبير .... ويسرقوا مستحقاته في وضح النهار .

    دمت بخير.

    من سبق

    ردحذف
  4. غير معرف6‏/5‏/2009 2:27 م

    السؤال الكبير ايهما افضل مجتمع اطفاله يعرفون مالهم وما عليهم

    ام اخر على كبارة التضرع لكي لا يوقع عليه رجل المرور عقوبة لم يرتكبها !!!

    هذا ما حدث لي مع رجل مرور كلفتي مكابرتي وإماني بأن هناك من سينصفني منه 600 ريال ولم اجد ردا على شكوى للمسؤل الاول عن ذااك الجهاز

    ؟؟؟


    من سبق

    ردحذف
  5. غير معرف6‏/5‏/2009 2:28 م

    اتحفتنا بهذا المقال يا أبا المعتصم
    ونتطلع إلى هذا الإبداع دائما
    وارى ان مشكلتنا تكمن في معاملة أطفالنا بشكل سلبي وتوقعنا عدم الفهم منهم وهذا غير صحيح فهم يبررون في نفوسهم كل اجراء نتخذه معهم فيجب علينا كما تفضلت الحوار معهم بكل ايجابية (اللعبة غير مناسبة - أنت لم تقم بواجبك ولا تستحق اللعبة - سأشتري لك أحسن منها وبسعر ارخص من المحل الفلاني - اشتريت لك في الأسبوع الماضي لعبة لا زالت جيدة - ليس لدي مال كافي ...)


    عبد المجيد عبدالله

    ردحذف
  6. غير معرف6‏/5‏/2009 3:04 م

    جميل جدا ابو المعتصم.

    فعلا لقونا البزارين بالصياح.

    تجربتي مع البزارين اذا قعدت تصيح اخليها تدخل غرفتها وتشبع صياح ومتى ماخلصت تطلع وتتفاهم معي عن السبب ونحل المشكله.

    فمع الوقت بدوا يحسون ان الصياح ما يجيب نتيجه والتفاهم هو اللي يجيب نتيجه.

    ابو لين

    ردحذف
  7. غير معرف6‏/5‏/2009 3:04 م

    موضوع جميل وواقعي
    تربيتهم تبدأ من أول أيام الطفل
    فقد سمعت أن بعض الأمهات تعلم الأطفال الحروف الأبجدية و هي مازالت في أشهر الحمل الأولى؟ و كانت النتيجة ان الطفل يتحدث بطلاقة في عمر مبكرة جداً ،

    قلت مادام يعلمون اطفالهم و هم في بطون امهاتهم
    ماذا لو كنت اُسمع طفلي القرآن و هو في بطن امه و الحقيقة انني مازلت اسمع بنتي القرآن بشكل دائم آملاً ان تحفظه بإذن الله بسن مبكر.

    شكراً حسن

    ابراهيم ابو نادي

    ردحذف
  8. تقول:


    في الحقيقة أن الموضوع كان محل تفكير ومراجعة وتحليل لسنوات، فقد لاحظت - كغيري من المبتعثين هنا - قلة بكاء أطفالهم مقارنة بأطفالنا، حاولت تتبع مراحل التربية عندنا وثقافة البكاء عند الطفل.



    ورأيي هو كالتالي:
    هذا تعميم باطل، حيث أن معظمنا هنا يرى هذا التعميم،

    فهناك من أطفالهم يبكون،
    ومن أطفالهم ( منجس) - بمعنى أنهم ماكرين-
    ومن أطفالهم مزعجين،

    ( وهذه الحاله مثل بعض أبناءنا)



    كذلك الحال مع الآباء،
    فليس جميعهم ينزل ( الركبة) لولده،
    وليس جميعهم يتفاهم مع ابنه.
    ومنهم من يضرب أبناءه!

    ( وهذه الحالة مثل بعض الآباء العرب)


    وأتمنى أن تزول هذه الصورة البراقة التي نلصقها بهؤلاء الأستراليين. فهم بشر مثلنا يعني





    كذلك تقول يا أبو المعتصم، أنك حاولت تتبع مراحل التربية عندنا، وهذا ما أثار عندي بعضا من التساؤلات:
    ما هي أدواتك في التتبع؟
    وكم حالة تتبعتها؟
    عندما تقول ( عندنا) فهل تعني بها السعودية أم العرب عموما؟
    وحتى لو كانت السعودية فهل هي القرية أم المدينة؟.

    ردحذف
  9. اخي العزيز ابو صالح

    اشكر لك تواصلك

    بالنسبة لما ذكرت

    فأقول ان تعميم صفة معينة على مجتمع تنتج عن ما يغلب عليه وليس بالنادر

    كل مجتمع فيه الجيد والبطال والمتوسط

    لكن ما هي الصورة الغالبة

    اعتقد انه بالجملة أن ثقافة الحوار بين الأباء والابناء هنا اعلى بكثير من عندنا

    اما بالنسبة للجهات الرقابية المهتمة بالطفل فلا وجود لها في قاموسنا



    دمت في رعاية الله

    واصلح الله ابنائنا واعاننا على تربيتهم

    ردحذف
  10. غير معرف7‏/5‏/2009 9:49 م

    العصا لمن عصا .. التربية الصحيحة فيها عقوبة ..

    والمثل يقول من امن العقوبة أساء الأدب .. وما شاء الله المجتمعات التي تربي جيدا هي المجتمعات الإسلامية التي يكون فيها مبدأ التربية الإسلامية مختلطا مع العلم والأدب

    فراس

    من سبق

    ردحذف
  11. غير معرف7‏/5‏/2009 9:50 م

    اخي ابا معتصم

    اشكرك كثير الشكر على مقالاتك وكتاباتك الاكثر من رائعه
    اسأل الله العلي القدير ان يوفقك لمايحبه ويرضاه


    والى الامام

    د فايز الحازمي

    من سبق

    ردحذف
  12. الله يسعدكم يارب واما النونو حقك والله انة عبيط من جد

    وناقشت قضية مهمة باسلوب مبدع

    ان لم يجف حبري فلي عودة لمناقشة جوهر القضية

    تقبل مروري بجوار موضوعك

    اختك النوووفة

    ردحذف
  13. شي يحير والله يدعون حقوق الطفل وحكومتهم مشاركه في تيتيم الأطفال أنظر إلى أطفالنا في فلسطين والعراق وأفغانستان وكشمير وغيرها من البلدان الأسلاميه جفت دموعهم منكثر البكاء من الجوع والتعذيب والضلم وغير ذلك من ألوان العذاب

    مشكور أخي على الموضوع لك تحياتي

    ردحذف
  14. الشعوب الغربية مختلفة كثيرا عن حكوماتها

    يدفعونهم من خلال الإعلام المضلل لأمور كثيرة لا يؤيدها اكثرهم لو علموا حقيقتها

    هذا في الغالب

    مع وجود نسبة قليلة من المتعصبين

    ردحذف

حدث خطأ في هذه الأداة