بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله,,,
في الأسابيع الأولى من قدومي لأستراليا - عام 1426هـ - طلبت مني مديرة البناية التي اسكن فيها موعدا مهما وعاجلا - كما وصفته - في رسالة وجدتها تحت باب الشقة، قلت في نفسي: "اللهم اجعله خير" فما زلنا في البداية.
الموضوع الهام والعاجل هو أن ابني يبكي حين خروجي من البيت، وقد اخبرها بعض الجيران بأنهم سيشتكون على جمعية حماية الطفل، فهم يعتقدون أن طفلي يتعرض للتعذيب ! أخبرتها بأن ابني يبكي بشكل طبيعي - في اعتقادي - لأنه يرغب في مرافقتي ولكني امنعه من ذلك فما المشكلة ؟ قالت: عليك أن تجد طريقة لإقناعه ! وكيف سأقنع طفلاً عمره ثلاث سنين؟ "خليه يبكي ولما يتعب هيسكت، ما أحد يموت من البكاء" كما يقال.
قالت لي: إن هناك جمعيات وجهات متخصصة في حماية الأطفال ومراقبة أي تجاوزات تحصل ضدهم حتى ولو كانت من والديهم، فلو تعرض الطفل للضرب في مكان عام فربما يتعرض والديه للمسائلة وربما السجن والغرامة مع اخذ الطفل لدار رعاية اجتماعية. كما أخبرني احد الأصدقاء - فيما بعد - بأنه إذا كان يقوم بالكشف على طفل يشكوا من الزكام - مثلا - ولاحظ وجود بعض الكدمات على جسمه فمن من واجبه كطبيب أن يتأكد من سبب ذلك، و إذا شك بأنه ناتج عن ضرب فعليه تبليغ الجهات المسئولة عن حماية الأطفال. بل حتى المدرسين يقومون بالإبلاغ عن أي طفل يشكّون في تعرضه للضرب.
التزمت لها بأن أعمل على تلافي ذلك في المستقبل. وأخبرت زوجتي بما حصل وسبب مجيئها إلينا، وحاولت إفهام ابني المعتصم - ذي السنوات الثلاث - أن لا يحرجنا في هذا البلد، فهذه أيامنا الأولى ولا نريد الدخول في أي مشاكل، فماذا كانت النتيجة ؟
مرت الأيام وأصبح هذا سلاح يستخدمه ضد أمه فإذا طلب منها أي شيء فرفضت، قال لها أعطيني أو سأبكي حتى تأتي الشرطة ويأخذوك إلى السجن. كما أصبح لا يبالي بتلميحي بالعقوبة ونحن خارج البيت لعلمه بأني لا استطيع فعل شيء في الأماكن العامة.
في الحقيقة أن الموضوع كان محل تفكير ومراجعة وتحليل لسنوات، فقد لاحظت - كغيري من المبتعثين هنا - قلة بكاء أطفالهم مقارنة بأطفالنا، حاولت تتبع مراحل التربية عندنا وثقافة البكاء عند الطفل.
وجد أنها تبدأ من أيامه الأولى " لن ترضع حتى تبكي، وسترضع حتى تبكي " ثقافة ينشأ عليها الطفل وتظل معه لفترة ليست بالقصيرة. هو يتعلمها من أول يوم في ولادته فغريزته تدفعه للبكاء تعبيرا عن الجوع، مما يدفع أمه للالتفات له وإرضاعه وهذا الأمر طبيعي، المشكلة تبدأ عندما تهمله الأم حتى يرتفع صوته بالبكاء وبعدها تقرر إرضاعه، ثم حين يشبع فهي تحاول إجباره حتى يبكي، فتعتقه لوجه الله، وهذا يربيه على أن البكاء هو سلاحه للحصول على ما يريد أو للتهرب مما لا يريد.
تستمر هذه الطريقة في التعامل مع الأطفال إلى أن يكبروا، فهم لا يحصلون على أي شي - سوأ كان هذا الشيء حق مشروع أو لم يكن كذلك - إلى بعد البكاء والإلحاح. عندما يطلب مني ابني شراء شيء فهل أشتريه له مباشرة، أم أرفض ثم اخبره بسبب رفضي لشرائه بكل صراحة، أم أماطله وادخل معه في اختبار التحمل، فإما أن ييأس من ترديد الطلب أو استجيب لإلحاحه بعدما افقد القدرة على التحمل لكثرة إزعاجه لي.
منظر يتكرر أمام عيني هنا في الأسواق ، طفل يطلب من والدته شراء لعبة، تنزل له على ركبتيها وتخاطبه كما تخاطب شخصا كبيرا بالسبب الحقيقي الذي يمنعها من شرائها له: (اللعبة غير مناسبة - أنت لم تقم بواجبك ولا تستحق اللعبة - سأشتري لك أحسن منها وبسعر ارخص من المحل الفلاني - اشتريت لك في الأسبوع الماضي لعبة لا زالت جيدة - ليس لدي مال كافي ...) وهكذا ينتهي الحوار دون صراخ وعويل في معظم الأحوال.
كثيرا ما أتجاهل طلبات أبني عندما يكون مؤدبا وغير ملح في الطلب، أما عندما يصر ويبكي فإني أحقق رغبته. كثيرا ما أقول "لا" ثم أتنازل دون سبب إلا الهرب من الإلحاح. كثيرا ما أعد طفلي بجائزة أو هدية ثم أتنصل من التزامي بأعذار واهية. كثيرا وكثيرا ...
هذه الطريقة في التعامل ترسخ أن البكاء هو السلاح الوحيد للطفل للحصول على ما يريد أو للتهرب مما لا يريد، خصوصا أمام الآخرين لأنه سيحرج الوالدين ويدفعهما للرضوخ وهذا ما يجعلنا في كثير من الأحيان نشعر بالحرج من أطفالنا عند ما نكون في مكان عام وهم يصرخون بأعلى أصواتهم للحصول على ما يريدون، فهذا زرعنا وعلينا أن نتحمل تكلفة حصاده.
إن معرفة الطفل لحقوقه وواجباته بشكل واضح يجعل التعامل معه أسهل وأوضح ولا حاجة للمماطلة، لنتعامل مع أطفالنا بقاعدة: ستحصل على حقوقك دون مطالبة، ولن يفيدك البكاء والصراخ في الحصول على ما ليس لك.
روابط ذات علاقة:

14 تعليقات ::